فهرس الكتاب

الصفحة 23425 من 23694

وقد بيَّن هذه القضية أكثر الرماني حينما قرّر أنّ"حسن البيان في الكلام على مراتب، فأعلاها مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة من تعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان، وتتقبّله النفس تقبّل البَرَد، وحتّى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقّه من المرتبة" (12) . فأدنى تأمّل لهذا التوضيح يقودنا إلى التأكيد على أنّ حسن البيان في الكلام مرتهن بمجموعة من الأسس وهي:

ـ الإجادة في تأليف العبارة والدقّة في نظم علاقات ألفاظها.

ـ التأثير في المتلقِّي؛ أي ما طربت له الأذن وانساقت له الأسماع.

ـ السهولة واليسر في المنطَق؛ أي ما نطقت به الألسنة نطقًا سهلًا واضحًا لا عيَّ فيه.

ـ استمالة عقول الآخرين؛ أي ما كان له وقع الأنفس، فاشتاقت له وهامت به.

ـ موافقته للحاجة المعبَّر عنها؛ أي ما جاء وافقًا للغاية التي لأجلها وُصف بهذه الصفة.

فالبيان مرتبط بخصوصيات تضبطه؛ أي خرق لها يؤدّي إلى ضياع هذه المزيّة. ولما كان القرآن الكريم قد توافرت فيه هذه المميزات وُصِف بأنّه في نهاية حسن البيان عن الحاجات. ومن صوّر ذلك قوله تعالى: (إنَّ المُتَّقينَ في مَقَامِ أَمينِ (( 13) ، فهذا من أحسن الوعد والوعيد. وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (( 14) ، فهذا البيان ـ كما يرى الرماني ـ أبلغ ما يكون من الحِجاج (15) . فحسن البيان ووجهه ارتبط بالحِجاج في هذه الآية، ولكن قبل الكشف عن طبيعة البيان الحِجاجي وتداعياته من الضروري أن نعطي لمحة عامّة حول الحِجاج في الاستعمال اللغوي.

3 ـ حول مفهوم الحِجاج في الدرس اللغوي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت