فهرس الكتاب
يعتبر البحث في"الحِجاج"من نتائج التحوُّل العميق الذي اكتنف الدرس البلاغي الحديث، وكان من إفرازاته أن تخلّت البلاغة عن نزعتها المعياريّة في فرض القواعد، لتهتم برصد الوقائع فقط. وقد كان من أهم أسبابه التغيّر الجذري الذي مسَّ البحوث اللسانيّة بوجه عام.
لقد كشف تجدّد الاهتمام بالدرس البلاغي في العصر الحديث عن طروحات علميّة مغايرة، أدّى إلى ظهور بلاغة جديدة. ويذكر"إيفانوكس"أنّ النجاح الحالي لها"قد اعتمد على العلاقة اللازمة بين البلاغة ودراسة وسائل الإقناع في مجتمع يتّجه يومًا بعد يوم نحو علوم التحريض والدعاية، فسيادة وسائل الإعلام في ثقافتنا تجعل من الخطابة بوصفها ممارسة إبداعيّة للإقناع، ومن البلاغة بوصفها تقنية ملائمة للإقناع أيضًا، نقطتي إحالة لابدّ منهما في لحظة سيستعيد فيها الشعب المستهلك السيادة على القديم..."
وعلى أيّة حال فإنّنا نعيش لحظة استراتيجيّة الإقناع والتركيز على أدوات الحضور" (16) . وقد أضحى"الحِجاج في رحاب هذا التحوّل مطلبًا أساسيًا في كلِّ عمليّة اتّصالية تستدعي الإفهام والإقناع. وانطلاقًا من الدور البالغ الذي أصبحت نظريّة الحِجاج تلعبه، أو من المفروض أن تلعبه، جعل"بريلمان Perelman"يعتبر أنّ البلاغة مطابقة لنظريّة الحِجاج؛ فقد حصر الأولى في الأخيرة (17) .