فهرس الكتاب
ـ قال تعالى: ( إِذْ قَالَ لأَبيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَمَاثِيلُ التي أَنْتُمْ لَهَا عَابِدِينَ (( 42) ؟ فالمفروض ههنا أن تأتي الإجابة عن هذا السؤال بما يؤثِّر على النفوس وتطمئنُّ له العقول، لكّنها كانت غير ذلك، قال تعالى: (قَالُوا وَجَدْنَا آباءَنَا لَهَا عَابِدينَ (( 43) ؛ إذ نلاحظ غياب العقل في هذه الحجة، فعبادة الأصنام لديهم كانت مجرّد تقليد للآباء والأجداد؛ و"ما أقبح التقليد والقول المتقبّل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلّدين حين استدرجهم إلى أن قلّدوا آباءهم في عبادة التماثيل" (44) . ولذلك ردّ عليهم إبراهيم ( هذه فقال: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وآبَاؤُكُمْ في ضَلاَلٍ مُبِينْ (( 45) ، ولكنّ قوم إبراهيم ( لم يكترثوا بهذا الردِّ؛ بل راحوا يمزجون هذا الموقف بالجدّ والهزل فقالوا: (أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبينَ (( 46) ؟ لتأتي الإجابة بعدها مقترنة بـ"بل"، وهي من الروابط الحجاجيّة التداوليّة التي تفيد الإضراب الإبطالي؛ أي نفي الحكم السابق عليها وإثبات ما بعدها. لذلك قدّم إبراهيم ( بعدها الحجّة الدامغة التي تبطل دعواهم، باعتبار أنّه قد"بادرهم أوّلًا بالقول المنبِّه على دلالة العقل، فلم ينتفعوا بالقول فانتقل إلى القول الدالِّ على الفعل الذي مآله إلى الدلالة التامّة على عدم الفائدة في عبارة ما يتسلّط عليه بالكسر والتقطيع..."(47) . ولهذا ورد على لسانه في قوله تعالى: (قَالَ رَبُّكُمْ رَبُّ السَمَوَاتِ والأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (( 48) .