فهرس الكتاب
لذا نتوصل ـ والحالة الآنفة المعروضة تلك ـ إلى حقيقة تقول: إن الشعر يحتفي بمكة لا لكونها عمقًا تاريخيًا فحسب لا بوصفها مركزًا جغرافيًا وسط الكرة الأرضية، بل لأنها تحمل معنيين واضحين، الأول اقترابها من الأسطورة ومنابعها ومؤثراتها الخيالية والتخيلية، مساراتها الحُكمية والحَكميّة، تماهيها مع الواقع، حراكها الوجداني في أسس الذات الإنسانية، جاهلية، مسلمة، عربية، والثاني أبعادها الروحية بما تركته من شعائر طقوسية، وثنية وتوحيدية في فترة، وإيمانية إسلامية فيما تلاها، ولأن الشعر يحتفي بالقَبْلية بوصفها المنبع الذي يشكل الأطر الخيالية للصورة الشعرية، وكلما أوغلت الفاعلية المكازمانية في القدم؛ أنجزت الصورة الغاية في الروعة، وكانت العلاقة بين المبدع والمتلقي الذي يولّد الصورة بعد تفكيكها وإعادة تركيبها وتشكيلها من جديد وهي حافلة بالإضافات والمعطيات الجديدة، ويتوسع بالتفاصيل التي لم يستطع المبدع وهو في حيّز التكثيف الصوري أن يغرق فيها (التفاصيل) هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ دأب الشاعر ينصب على إسقاط الماضي التاريخي على الحاضر وصولًا إلى غايات يفرضها الآني المعيشي، وذلك ضمن عملية فنية جد معقدة، كإجراء التبادل بين الزمان والمكان (تراتبًا أو عكسًا) أو توحيد الزمان بالمكان (زمكان) ووضعه بتصرف الحاضر، أو أنسنة المكان وميكنة الزمان وصولًا إلى ما ورائية معنوية تفتح الأفق على اللانهايات الشعورية ـ الإحساسية وصولًا إلى الغائية الكبرى في يقظة العقل وعبوره حدود المحال.