فهرس الكتاب
إذًا، فتجليات المكان ببعديه (الزمامعنوي) و (الشعوري ـ الفني) لم يأت عن بديهية ساذجة تنتج صورة (فوتوغرافية) أو معنى (كلاسي) ، وإنما جاء عن إبداع حقيقي يهدف إلى تكريس قيم فنية وعقلية شعورية، ناهيك عن القيم العقيدية والمعتقدية، إضافة إلى غاية ذاتية تهدف إلى التوبة والتطهر من الآثام التي علقت بالروح والجسد، كما جاء في (البُردات) و/نهجها/ والمدائح الدينية، والتهجد الصوفي، وأماديح الرسول وتخليد قيمه، الدنيوية المستمدة من طبيعة التشكل القيمي ضمن المكان وخصوصياته ومعانيه، وأخروية المستمد من العلاقة مع السماء وخالقها والأرض.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الشعر بمناحية ومذاهبه المختلفة، وحقبة الزمانية، وعصوره التاريخية الأدبية، وهو يتوجه إلى مكة؛ كان يحمل في بؤره الغرضية (في توجهه) ، مكة مكانًا ومعنى وقيمة مع تفاصيل عن أدواتها المكانية وشعائرها الدينية، وكي تكون اللوحة الشعرية متكاملة، لابد من البدء بفكرة الرحلة لغير المقيمين، ومن ثم تفاصيل الرحلة بمواطنها الطبيعية الجغرافية، وفاعليتها الجسدية، والشعورية ثم تكون الحركة التي تحمل القداسة نفسها بين مكة وأختها أو توأمها المدينة بوصفها تمثلان كامل الشعائر الطقوسية، فالرحلة من بلاد الشام إلى مكة فالمدينة تتطلب وصف الطريق، والراحلة، والساعي وصولًا إلى التوحد بين الأركان الثلاثة من أجل الغاية، ولابد من التعريج على جغرافية الأرض بجبالها ووديانها ومفازاتها، وطبيعتها المتمثلة بدوابها، ورمالها، وطقسها، وأنهارها، وأشجارها، ليلها ونهارها، وهكذا الساعي من العراق، والمغرب، وبقاع الدنيا كلها.
لقد رسم الشعر الحراك البراني والجواني من المنطلق إلى المنتهى وكأن مكة تتحلى بالمعنى المكاني، والزماني، والطقوسي لكونها التاريخي، ثم تأتي المدينة، وربما الطائف، وأماكن أخرى في البلاد المشرّفة بالحرمين الشريفين.
دلالات الصورة مكانيًاَ وثقافيًا: