فهرس الكتاب
إذًا، هو حاج وليس مقيمًا أولًا، وهو متعلق بالمكان الذي زاره على التو، وقد قامت علاقة روحية بينه وبين المكان، وتلك الذكريات التي ما برحت تدغدغه بصور غير مرتبة، واضحة مرة، وغائمة مرة، بيد أنه يفصّل بالأماكن التي شاهدها، وهنا يتجلى المكان بصورة انطباعية، منقولة عن العين تارة، وعن الشعور تارة أخرى، فيقول: هذا هو حاجز (منزل للحاج في العادية) ، لا بل هو طويلع (واد فيه ماء) ، ويتذكر التنعيم (موضع قرب مكّة يُحرم منه المعتمر) ، ونحر الأضاحي في منى، ونفرة الحجيج من عرفة نحو مزدلفة، وتلاحقه الذكريات إلى المأزمين (موضع بين عرفة ومزدلفة) ، ثم إلى منى مرة أخرى، وكأنه الآن في الحج حقًا مع أنه ليس في حج أو سعي، ولا في طواف حول أركان الكعبة، وحجر إسماعيل. ثم يذكر قصة الوحي المنزل على الرسول ? فيستحضر غار حراء.. إنه استرجاع لمعنى المكان روحيًا، من خلال خصوصية تكمن في أجزائه التي تمثل كل منها رمزًا، وشعيرة، وعلاقة، تشكل الذات الإيمانية عند المبدع.
وتخرج الأمكنة من معناها الجغرافي إلى معانيها الروحية، ومن ثم إلى أبعادها الثقافية والوجدانية على جسر تاريخي للمعنى والوسم فيقول في مدح الرسول ? على البحر الطويل:
وصالكم يا أهل طيبة مطلبي
هنا الجوهر المعنوي الثقافي التاريخي لطيبة، وينتقل نقلة رشيقة لصبّ معلومة ثقافية عن مجتمعها وأهلها الأصليين، والنبي من جذور شجرتها بانتمائه المجتمعي: ... تخاطبه حصباؤها بالتأوبِ
يحنُّ الأبطحيُ الهاشميُ الذي غدت
يحنُّ إليه الجذعُ عند فراقه ... حنين محبِّ بالفراق معذّبِ
به عَرَج الروحُ الأمينُ ولم يزل ... يُرقى به حتى دنا بالتقرّبِ
إلى أن يقول: ... إليه المطايا من منىً والمُحصًّب
... ولولاه ما مدّت خطاها تشوقًا
إذا ذكرَت بطحاءَ مكة عجعجتْ ... وإن نظرت أعلام طيبة تطربِ ( [24] )