فهرس الكتاب

الصفحة 23464 من 23694

فالرسول إذًا، من قريش مكّة لا من قريش ظاهرها، وعندما يحنُّ إليه الجذع ففيه إشارة إلى تسليم الحجر عليه ? عند تأوبه إلى أهله من حراء، وحنين جذع النخلة اليابس الذي كان، الرسول يستندُ إليه قبل أن يضعوا له منبرًا، فمسح الرسول عليه بيده فسكت. ... ذاك العقيق بدا وفاح عرارُه

ثم يتحول المكان إلى عاطفة طقس روحاني يتهجد الشاعر به، فتكبر الروح على الجسد، ويغدو المكان في كل ممتلكاته عشقًا، يتجلى في المعنّى، يسرد أدق التفاصيل في ثنيات النص الأدبي، وتكثر الأسماء، والمواضع بمسمياتها الوصفية، واللفظية، فيقول (على البحر الكامل) :

يا حادي الأظعانِ رفقًا في السّرى

وإذا أتيتَ الخَيْف من وادي منى ... أنخِ المطيَّ به فقصدك جارُه

فالخيفِ فيه كل خوف آمنٌ ... وبه يقصّر من أتاه شعاره

وإذا بلغتَ القصد من وادي الغَضى ... فالقصد مسجدُ أحمد ومزاره ( [25] )

فالعقيق ذلك الوادي الذي يقود من المدينة إلى مكة، والخيف قبيل منى بل مدخل وادي منى، والخيف عندما تحلّ به تشعر بالطمأنينة والأمان، وفي منى تكون الشعيرة الطقسية وهنا تدخل حاسّة من حواس الإنسان (الشم) ، ليبخر المكان بطيب الرائحة، ومكان من دواله (نبات العرار وهو طيّب الرائحة، ويسمى أيضا بهار البر) كذك (العَرْف والنشر) انتشار الرائحة الطيبة وتجميل المكان. ... يعبد الله عائذًا مستجيرا

إذًا لم تعد مكة وجودًا طبيعيًا فحسب، بل تحولت إلى وجود ثقافي، بوصفها السجل القائم لذاكرة تاريخية تمنح مكة دلالات ومعاني كثيفة، تمتح من عمق الوجدان الإسلامي والعربي، وأضحى هذا الوجود الثقافي لمكة خزانة وجدانية غنية بالدلالات التي لا تقف عند الذات الفردة بل تتجاوزها إلى الجماعة، والمكان إلى التاريخ، والأرض إلى السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت