فهرس الكتاب
إن الصور التي بناها الشعراء الذين عرضنا لسيرورة مكة في شعرهم؛ تبدو بما وفروه لها من عناصر قادرة على الاستقلال عن ذواتهم الفردة، لتحل في المسافة الممتدة بينهم وبين المتلقين (كمرسلين ومستقبلين) ، مرسلة دلالات روحية تشع بالتوق واللهفة والتطلع إلى قداسة المكان وأسراره الروحية جوانيًا وبرانيًا، كذلك فهي تكشف عن وشيجة مجلة لها، وهي متموضعة في النفوس استبطانًا يعلقها بها، ويجذبها إليها، كما ينجذب العاشق إلى معشوقته. ... ـزي العشق منها ولا يمل العشيق
فالشاعر المكي محمد حسن الفقي ( [7] ) يحن إليها وهو بين يديها، وهو حنين يعصف فيه العشق، عشقٌ صوفيٌ توحد بالمكان ورفعه إلى قمة إنسانية المحسوسة:
أنت عندي معشوقة ليس يخـ
الفضاء الروحي ومعانيه: ... ورح به طائفًا والركن مستلما
وهنا يمكن أن نقسم الجملة الدلالية الواردة في النص (المكّي) على حامل (الحنين، الشوق، الحراك الروحي المتعلق بهما) ومحمول هو الفضاء الروحي ومعانيه.
وامتداد القصيدة بعد ذلك، ليس إلا تكرارًا للدلالات، وتبادلية حيوية بين صيروراتها في النص، وسيروراتها ضمنه، وهذه التبادلية بين البرانية والجوانية، تظهر النص أحيانًا على شكل انطباعي، وأحيانًا أخرى على شكل شعوري يمتح في أعماق الداخل.
يقول الشاعر طاهر النعسان: ( [8] )
حيِّ الحجاز وحيِّ البيت والحرما
واستشعرنْ عظم الخلاق مرتديًا ... من الرداء جديدًا فيه محتشما
وجدَّ في السعي بين المروتين ضحىً ... وأدرك اليوم من مسعاك مغتنما
فالمرء من دونها مهما علا خُلقًا ... ينحط قدرًا ويبقى الدهر متهما
ونقِّ قلبك من غل ومن حسد ... عند الصفا واطّرح إثمًا به اكتتما
إن الصفا مشعر لله محترمٌ ... فالزم به الصفو يا فوز الذي لَزَما
واصعد إلى عرفات ذاكرًا صمدا ... ملبيًا حامدًا مولاك لا سئما
وقف بموقف خير المرسلين على ... صخر هناك وخل الدمع منسجما
واذكر إلهك عند المشعرين إذا ... أفضت من عرفات خاشعًا ندما