فهرس الكتاب
عند المحصب من وادي منى اضطرح الـ ... ـجَمرات واحذف بها سبعًا ولا جَرُما
هذه الدوال الإبدالية لمكة وأحيائها وشواهدها ومشاعرها (مفردات مشعر وليس شعور) "البيت الحرم، المروتان، الصفا، عرفات، الإشراف على الصخرة، المشعران، المحصّب...) بما تحمله من تنوع مكاني جزئي ضمن المكان الكبير (مكة) ، وشعائري الحراك الذي يفصله الحاج، لم يرد الشعر منه إعطاء درس في مناسك الحج، وهو يعرف أن المتوجه لأداء الفريضة يعرف التعاليم كلها؛ بيد أنه أراد أن يرسم تجليات المعنى الروحي للأمكنة التي ذكرها، ومن خلال فعل الأمر (حيِّ، رُح، استشعرن جُد، أدرك، نق، اطرح، الزم، اصعد، قف، خلِّ، أذكر، الزم...الخ) ، أفعال أمر قاطعة تدل الدوال قسرًا في فضاء الروح، لتتبدل المعاني وتتجاوز حرفيتها المعجمية فتتحول إلى معانٍ روحية في إطار تاريخي طقوسي، وثمة حركة فنية أخرى لدلالات المعاني إذ تخلق بشفافية لافتة ثم علاقة مع البعد الماورائي للرمز الذي يمثل بدوره البعد الإيماني في الخلد الذي أصدر النص وعلّقه على خمسة عشر فعلًا جاءت بصيغة الأمر ضمن أحد عشر بيتًا من الشعر، وغايته ارتفاع النبرة الإيقاعية على حرف الميم المفتوح على الفضاء الشعوري والموجه أصلًا للمتلقي بأمر أيضًا لأنه يتمثل الفضاء الروحي ومعانيه في النص الحراكي. ... أشعةُ النور تُهدي التائهِ البَرِما"
إنه يرسم لوحة طقسية، كرقية أو تعويذة، تدفع الشك وتؤكد اليقين بقداسة المكان، وصدقية الفعل (ضمن ممارسة الشعيرة) مع ثمانية أمكنة تتموضع في المكان الكبير مكة المكرمة.
والدالة الأكيدة على صدقية ما ذهبنا إليه في تشريح القصيدة الآنفة، هو ختامها في تأكيد العلاقة بين المكان الذي أخذ عظمته من فجر إيماني، والإنسان الذي اعتمر قلبه بسنى الإيمان فمضى إليه يقتبس من معانيه الروحية.
لله أم القرى منها لنا انبثقت