لا شك في أن البون شاسع بين إعادة تأسيس هوية ثقافية، وصقل معالمها، وما يندرج تحت هذه العملية من جدلية عميقة وتفاعل خصب بين مقومات الشخصية العربية في التراث الحضاري العربي, وبين استعارة هوية ثقافية جاهزة يدعو إليها مروجو النموذج الغربي للتقدم في الوطن العربي (4) . في حين أنه في تراثنا العربي الإسلامي ما يؤكد أن الهوية الثقافية لا تستطيع أن تصمد تجاه محاولات المسخ والغزو الثقافي والعولمة والاحتلال والهيمنة، والسيطرة الخارجية، إلا إذا كانت حرّة مبدعة، ينبثق خَلْقُها من الداخل.
فالإبداع ينمو ويترعرع وينتشر في ظل الحرية،و يُقتل في ظل التقليد والقيود والأسر والاستلاب، لأن الإبداع حياة، والتقليد موت متكرر، وليس من الصدفة أن تركز القوى المعادية لأمتنا وطموحها في تحقيق مشروعها النهضوي الحضاري، على مقاومة الثقافة العربية واتهامها بالإرهاب أو التخلف، أو السلفية. لتزعزع مقومات الشخصية الثقافية القومية، ابتداءً من اللغة وتهميشها في ميادين التقدم الحساسة من علم وتقانة وفكر مستورد، وفرض لغة أجنبية في هذه الميادين بحجة كونها لغة عالمية، أو لغة الحاسوب، وأن العربية عاجزة عن مواكبة التقدم التقني والعلمي السريع جدًا.
إن الهوية الثقافية القومية لا تستطيع أن تحافظ على مقوماتها, وأن تسهم في حوار الحضارات، والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وتنتقل من طور التقليد والاستحياء والاستهلاك إلى طور المشاركة المبدعة، إلا ضمن مشروع حضاري نهضوي قومي، يستلهم التراث المضيء ويحرص على ذاتية الأمة ومقومات وجودها وعمقها التاريخي، ويدعو إلى الاعتزاز بعطاء حضارتها الإسلامية في القديم، دون أن تتخلى هذه الأمة عن ضرورات معطيات العلم، لكن على أن تكون فاعلة ومشاركة لا مستهلكة أو تابعة.
دور العربية في الحضارة والعلوم: