تعد الجامعة من أقدم المنظمات الاجتماعية، إذ بدأت مجتمعًا منفردًا يضم الطلاب والأساتذة، وقد تميزت بروح خاصة تقوم على مبدأ أساسي هو"حيوية المعرفة" (6) وعلى هذا فمن حق الحضارة العربية أن تفاخر بما أرسته من مدارس وجامعات في الدولة العربية منذ القرن التاسع للميلاد، حيث كانت جامعاتنا المتعددة تشكل عاصمة للفكر (العراق, مصر، المغرب، الأندلس) . وقد عملت هذه الجامعات على تطوير معاقل الفكر, إذ كان التعليم مرتبطًا بشخصية الأمة، وأداة أساسية للأهداف التي تتبنّاها،وتسعى سعيًا حثيثًا لصناعة المعرفة، ونشرها في مختلف فروع العلوم الإنسانية وغيرها.. وقوام ذلك: المناقشة، وتبادل الأفكار بين أناس منتمين إلى أعراق مختلفة، تحكمهم عادات وتقاليد متباينة، رائدهم في ذلك كله نشر الفكر الإسلامي النابع من القرآن والسنة والاجتهاد.
فعاصمة الفكر، تبعًا لمبدأ عالمية المعرفة وحيويتها ـ وهو مبدأ إسلامي ـ كانت ممتدة بين بغداد والقاهرة وتونس وفاس والأندلس، فكانت لغة هذه الحضارة عالمية. نقلت المعرفة إلى أوروبا الشرقية والغربية لتنير الغرب الغارق في ظلمات العصور الوسطى. وكانت العربية وسيلة النقل وأداته. وكان دور الجامعة يتحدد في كونها مؤسسة تحمل رسالة هي تفجير المعرفة عن طريق صلاتها بالناس، فهي مصنع يحولهم كيفًا وكمًا إلى رجال للمعرفة في شتى أنواع العلوم. لهذا كانت الجامعة الخلية الأولى لتكوين المجتمع وإعداده وتأطيره، ونهضة البلاد، وابتكار وسائل التخطيط والعمل. فمهمة الجامعة في الفهم العربي الإسلامي هي (تنوير عقول الناس، وصنع المعرفة، والانفتاح على العالم) .