فهرس الكتاب

الصفحة 23553 من 23694

كما يحلو لبعض المستشرقين أن يؤكد على فكرة السابق، أي على المعتقدات الدينية في الجاهلية التي مهدت للإسلام كالحنيفية وغيرها كما مهد يوحنا أي يحيى للسيد المسيح. فهل يمكن القول أن التذييل كظاهرة فنية في شعر لبيد وما في هذا الشعر من مصطلحات إسلامية هو من هذا القبيل؟!

المسألة هنا ليست مسألة قصص عبراني أو نصراني وجد سبيله إلى الإسلام لوحدة الوحي لأن الأديان التوحيدية كلها من عند الله. بل نحن هنا في حضرة مفاهيم متميزة لا يمكن عزلها عن سياقها الحضاري والديني ولا يمكن أن تنشأ في غير مناخه ورحمه، فالسنة والإمام والمليك والعلام إلخ. لا يمكن أن تخون أصولها الإسلامية وكذلك التذييل كظاهرة أسلوبية.

ومع ذلك فنحن نعتقد أن معلقة لبيد في أغلبيتها جاهلية في موضوعاتها ولغتها وصورها الفنية وإيقاعاتها الصوتية. وهي أكثر جاهلية من غيرها لتميز لغتها البدوية، وفنها الشعري وخاصة في وصف الناقة واستداراتها التي تنسجم مع النموذج الجاهلي. ولأنها وصلت إلينا عبر قنوات استمرت في الإسلام وصاحبها من المخضرمين الذين امتدت حياتهم إلى العصر الإسلامي.

وينجم عن ذلك كله سؤال مؤرق هل أضاف لبيد أو غيره من الرواة هذه الأبيات التي تشكل قضية بارزة في المعلقة على الأصل الجاهلي, أو نقح ما نقح. وصقل ما صقل من الأبيات الأخرى بما يوافق البيان القرآني الحكيم في مصطلحه ولغته وبعض صوره الفنية.

وأن المعلقة ظلت نصًا مفتوحًا لم يكتمل إلا باكتمال حياة لبيد الشاعر المخضرم الذي عاش العصرين الجاهلي والإسلامي فكان لا بد لروح هذين العصرين من أن يتجليا في شعره بما فيه المعلقة ـ وهذا لعمري أكثر معقولية من الرأي القائل بلبيد كسابق للعقيدة الإسلامية والتي أرهص شعره ببعض مبادئها فلما جاء الإسلام بادر إلى الإيمان به لاستعداده النفسي المسبق لهذا الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت