فهرس الكتاب
3/1 الشعر: يعد خير جنس يمثل إشكاليات التفاعل مع التراث في هذا الطور لأنه الجنس الوحيد الراسخ الذي تملك الأمة موروثًا فيه مئات الآلاف من الأبيات، إضافة إلى كونه أحد خصوصيات الهوية العربية في بعض مراحل التاريخ العربي؛ لذا فإن تفاعله مع التراث كان أمرًا طبيعيًا أسهم في مدّه بأسباب التجديد، وليس كالأجناس الأخرى التي عادت إلى التراث وهي تريد استمداد أسباب القبول من المتلقين والبحث عن شرعية وجودية.
وبقي التراث مدار أسئلة متنوعة لم تنغلق أبوابها، فتح بابها عليه شعراء القرن التاسع عشر منهم ناصيف اليازجي ومحمود سامي البارودي من ضمن رؤية حسبت أن الحل الوحيد للدخول في العصر الحديث تكمن في العودة إلى التراث وهو ما دعي من قبل بعض المهتمين بالهرب إلى التراث، وهو ربما ليس هربًا بقدر كونه محاولة إيجاد أجوبة لأسئلة جديدة من باب آمن قريب معروف، وقد ظن السياق الملاصق آنئذ أن خصوصية للشعر لا يمكن أن تتحقق دون العودة إلى هذا التراث، وقد بدت في شعرهم مياسم الشعر العربي القديم ملفتة على الأصعدة الفنية والموضوعية وهي إن كانت مسوغة فنيًا؛ لكنها ليست كذلك من جهة الأغراض.
وقد كانت الاختيارات الشعرية التي قام بها بعض الأدباء (البارودي مثلًا) جزءًا من الاحتفاء بهذا الشعر القديم وتكريسه حيث كانت العودة شرطًا لازمًا للإبداع ومتطلبًا للتميز.
ولعل أبرز تجل للتفاعل مع التراث تبدى من خلال ما دعي بـ (تيار الإحياء) عبر ممثليه المختلفين في أطوارهم المتتابعة، وذلك من خلال تقليد القديم، ومعارضته باعتباره الذروة الفنية، وقد ظهرت آثار التفاعل مع التراث في: المعجم الشعري والتركيز على وحدة البيت وبناء القصيدة، كذلك بقيت الأغراض الشعرية القديمة جاثمة على معظم شعرهم، وربما هذا هو الذي دفع شاعرًا في العصر الحديث (البارودي) لكي يبدأ قصيدته كما كان يبدؤها الشاعر الجاهلي:
ألا حيّ من أسماء رسم المنازل