فهرس الكتاب
خلاءٌ تعفّتها الرواسم والتقت ... عليها أهاضيب الغيوم الحوافل ( [17] )
وقد اعتمد في معظم ما كتب على القصيدة العربية القديمة حيث نجد الوقوف على الأطلال، والبكاء على الراحلين.. ويشعر القارئ في معظم نصوصه أنه إزاء معان وأفكار شائعة قديمة، لقد كانت المعارضات أبرز خصائص تجربته، وقد عارض تجارب ذات مستويات مختلفة منها (المتنبي وأبو نواس وأبو فراس والشريف الرضي وامرؤ القيس) إلا أن تجربته لم تبق على ما هي عليه، فقد كانت في المراحل المبكرة محاكاة وتقليدًا، لكن بعد أن اكتوى بتجربة الحياة بدت خصوصيته تظهر بخاصة بعد النفي والمشاركة في ثورة عرابي حيث اكتشف ـ ربما ـ أن صوت الحاضر أقوى من صوت الماضي، ولعله اقتنع متأخرًا قليلًا أننا لا يمكن أن نعبر عن الحاضر بلغة الماضي وأساليبه، وأن هناك إمكانية للاستفادة من التراث مع الانغماس بمستجدات حياتنا غير أن سمة التقليد لم ينفضها عن شعره، بل بقيت جاثمة على تجربته لغة وأسلوبًا ورؤية أحيانًا. ... وسَمُوا الملائك في جلال ملوك ( [18] )
إن الدور الكبير للبارودي كشأن كثير من الرواد يكمن في تمهيد أرضية لمن جاؤوا من بعده ليبدؤوا من حيث انتهى، وليولد أحيانًا نوعًا من ردة الفعل على ما قام به بحيث سيسعى أولئك لتجاوز تجربته، والعمل أكثر على الاندماج في حياة مجتمعاتهم بخاصة تجارب كل من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران إذ اتسعت دائرة التفاعل مع التراث عند شوقي لتشمل التاريخ المصري والإنساني، وقد وسم شعره بطابع كلاسيكي مع ولع بالتشبيهات أسوة بتقاليد البلاغة العربية، إضافة إلى تعامله مع الأحداث بصفتها أحداثًا خارجية وقد حمل شعره آثار كل من البحتري وامرئ القيس وابن الرومي وابن زيدون.. ووسّع دائرة التفاعل مع التراث لتشمل الجانب الديني بخاصة وهذا يبدو مسوغًا نظرًا لجذوره العرقية غير العربية متخذًا من المعارضات وسيلة متكررة لإثبات شعريته وخصوصيته:
نادمت يومًا في ظلالك فتية