فهرس الكتاب
إن بنيتها الفنية غالبًا ما نأت بها عن علاقة جدلية مع التراث أسوة بالأجناس الأخرى كالرواية مثلًا التي يسمح لها فضاؤها النصي الواسع وقدرتها على الاستيعاب بإقامة علاقة مع التراث ذات تفاعل أوسع لم تتوفر للقصة القصيرة في معظم نماذجها، وبناء عليه فإننا لا نجد في القصة عبر تاريخها في الأدب العربي الحديث أعلامًا اشتهرت تجاربهم بالتفاعل مع التراث مثل (الغيطاني) في الرواية أو (البارودي والبياتي) في الشعر أو (ألفريد فرج وسعد الله ونوس) في المسرح، فالقصة القصيرة في نشأتها العربية تأثرت بالفهم الغربي لها، لذا فقد حاولت التركيز على التحديث، والتعبير عن الواقع الذي كان نداؤه الأقرب لآذان كتابها؛ لكن لاحقًا حين حققت كثير من نصوص التراث، وتمكنت هي في نفوس متلقيها، وعالجت الكثير من هموم الواقع وراح كتابها يبحثون عن وسائل لإغنائها وتخصيبها وقد وجدوا في التراث مادة ثرية لهذا الهدف...
ما سبق لم ينأ بها عن سعي بعض كتابها في هذا الطور مثل ما حدث في الأجناس الأدبية الأخرى للتأصيل ذلك أن تأخرها في التبلور لم ينجها من المرور بقناة أسئلة النشأة، بل إن بعضهم انشغل بمحاولة البحث لها عن جذور، وحاولوا إعادة كتابة أجزاء من التراث على شكل قصص ظنًا منهم أنها شكل جديد يمكن أنْ يحيوا ما يظنون أنه جدير بالحياة من التراث من خلاله، لذا فقد وجدت محاولات للربط بينها وبين المقامة، وبينها وبين الخبر وغير ذلك (8) ؛ لكن مشكلة هذه المحاولات أنها غير مقنعة ولا سيما أن النصوص بقيت خاضعة لطرق التوصيل القديمة، وكانت تريد أن تعظ وتعلم من خلال القصة وتستعمل اللغة التراثية وغير ذلك.. وقد اتسمت هذه المحاولات بالضعف الفني موازنة بحضور المد الواقعي والأثر الرومانسي.. وهذا الضعف الفني في كثير من نماذج هذا الطور يعود أيضًا إلى الأحمال الثقيلة التي حاولوا تحميلها للقصة، حيث تنفر حساسيتها ونزقها من هذه الأثقال (9) .