فهرس الكتاب
والاتجاه الثالث: هو اتجاه قصيدة التفعيلة الذي بدأ منذ الخمسينات وقد بلغ حضور التراث عنده أمدية متقدمة حيث صار مكونًا فنيًا من مكونات القصيدة، ولم يقصر مفهوم التراث عند أنماط معينة بل شمل الأساطير والمكتشفات الأثرية والأمكنة وتاريخها وكذلك الشخصيات والأحداث....
وقد تعاون حضور السرد في كثير من الشعر المنتج في هذا الاتجاه مع حضور التراث للتعبير عن هموم الواقع؛ لكن ليس بطريقة تقليدية وبرز في هذا الاتجاه أسماء شعرية حققت حضورًا ملفتًا على ساحة الشعر العربي الحديث منها: عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي وممدوح عدوان ونزار قباني وخليل حاوي وغازي القصيبي وعبد العزيز المقالح وسميح القاسم ومحمود درويش وغيرهم كثير؛ حيث حضر التراث الديني والتراث الشعبي والرموز والأساطير إضافة إلى الحضور اللغوي والصوري، وهذا أضاف عناصر جديدة للقصيدة الحديثة، إذ تواكب مع مفاهيم جديدة لحضور التراث (13) .
شكل عبد الوهاب البياتي مثلًا ظاهرة في التفاعل مع التراث ليس في نصوصه الشعرية فحسب، بل في نصوصه النثرية أيضًا، حيث رأى أنه من الضروري إيجاد علاقة متوازية مع التراث وأننا لا يمكن أن نستغني عنه في كل الأحوال، و شكل التاريخ والأغاني الشعبية والكتب وسيرة الشخوص الذين حاولوا أن يقدموا رؤية مختلفة للكون مصدرًا من مصادر شعره، إضافة إلى للأساطير والرموز (14) .
هاهو يستحضر موقف المتنبي مع ابن خالويه وفقًا للرواية الواردة حول هذا الحدث:
أنا شججت جبهة الشاعر بالدواه
بصقت في عيونه سرقت منها النور والحياه
أغمدت في أشعاره سيفي
أفسدت به مريديه، وضللت به الرواه (15)