فهرس الكتاب
وهذا البيتان الأخيران اللذان تربط بينهما علاقة وشيجة من وجهة نظر تركيبية ومعنوية على السواء بفن التضمين يحددان الموضوع الرئيس، ونريد بذلك ظلم القدر، والمقصود حقًا علاقات بين الشاعر من ناحية، وخصومه المعارضين لرغبته: من منافسين وممدوح، وقدر، ومفهوم هذه التبعية تقتضيه الصيغة"ما لهم إلا قضاء"في مستوى التركيب (ب 8) .
وعليه، فنتيجة نجاحهم وهي حقد الشاعر المضطرم لشعوره بأنه مبخوس تنتصب ضد القدر، أساس هذا الظلم الذي يتمرد الشاعر عليه.
وفضلًا عن ذلك أن التضاد في مستوى فعل القول ب 8 + ب 10) # (ب 9 + ب 10) يصور مقصدًا آخر خفيًا: ما يهم أبا تمام ليس هو التعبير عن تجربته الشخصية فحسب، بل التعبير عن التجربة العامة المستترة في البيتين الحكميين، وأهم ما يثير في رؤيته للعالم إنما هو ما في الظرف الإنساني من مفارقة PARADOXE فالإنسان المخلص قد يكون -كالشاعر نفسه- محكومًا عليه بمكابدة جور هؤلاء الذين قدم إليهم الخير.
والكلمة المبينة"قضاء"تربط هذا الظرف بتجربة ما ورائية، فهذا القضاء هو الذي يفرض، من خلال الإنسان، إمكانية هذا الظلم الاجتماعي.
وقد أدرك أبو تمام بعبقريته أن الصنعة العربية في عصره كان تلبية لحاجة نفعية وجمالية في آن معًا وأفاد من ذلك للتفكير في الفن الشعري، ولذا فإن الألفاظ والصور المستقاة من مهنة النساج بخاصة ومن مهنة الصائغ تغزر في شعره. وشواهده المعبرة عن الجانب الجمالي متعددة، منها تلك التي توضح لنا دور الزينة في وظيفة الكتابة الشعرية وقد عُدَّت صنعة، فالشعر في رأي أبي تمام يأخذ قيمته من العلاقات التزيينية. والشكل الشعري الجدير بالخلود لا يمكن أن يكون سوى تقنية تجمّل المعاني، سوى (وشي) يزين ثوبًا حريريًا، والمعاني تكتسب من هذا الواقع جمالًا تنافس به الرياض الغناء:
22-كم معانٍ وشَّيْتُها فيكَ قد أم
23-بقوافٍ هي البواقي على الدهـ ... ـرِ ولكنْ أثمانُهُن مواضِ (36)