فهرس الكتاب

الصفحة 2496 من 23694

فالشاعر إذ هو صانع ماهر في الأعمال اليدوية، فإنه وسيط يقود الأثر إلى الخلود، بينما عطاء الممدوح زائل. وإذًا لم لا ينتصر الأثر الفني في صراعه مع عطاء الممدوح؟ وعلى أي شيء يقوم انتصاره؟ إنه يقوم على وظيفته الجمالية، فالقصيدة المدحية المماثلة للبرد المنسوج يبدي عامل ماهر تتجاوز -كما يقول أبو تمام- من حيث القيمة التزيينية والبنيوية، ومن حيث التأثير، الخلعة الحقيقية التي جَمَّلتها الزينة وقدمها الممدوح هدية: ... من ثناءٍ كالبُرْدِ بُرْدِ الصَّناعِ

9-سوف أكسوك ما يعفِّي عليها

10-حُسنُ هاتيكَ في العُيونِ وهذا ... حسنُهُ في القلوب والأسماعِ (37)

وإذا كانت الرسالة الشعرية هنا تشي بأن أبا تمام يعد هذه الزينة عنصرًا أساسيًا في الرسالة الشعرية لا عنصرًا عارضًا أضيف إلى بنيتها الموجودة من قبل فإنه لينحو النحو نفسه في موطن آخر، فالقصيدة تماثل ألوانًا في طنفسة حريرية منسوجة (كشقيقة البرد المنمنم وشيه) (38) . ... حِبَرَ القصائد فُوِّفَتْ تفويفا (39)

وهذا الأثر المتقن، الذي يمتاز بتأليف مزخرف كل الزخرفة، وببنية محكمة النسج، يرى النور في حياة عاطفية تتضامن مع الكد المرهف في أثناء الإنجاز. وبتعبير آخر إن الجمال الفني يستقي قيمته من الجهد التزييني بقدر ما يستقيه من العاطفة الإنسانية التي يمثلها الحب:

35-أنا ذو كُساكَ محبةً لا خَلَّةً

والأهم من ذلك أن نظام الأسلوب المزخرف يدخل، فيما يبدو، في نطاق رؤية كونية، ففعل الشاعر، إزاء المادة الشعرية، ليس سوى فعل الزمن إزاء الطبيعة. ومشابهة خفية تتحقق في ذهن أبي تمام بين عمل الخلق الشعري وعمل الزمن، بل إن الزمن يتوحد في ذهنه مع صورة الشاعر النساج الذي يقصد بعمله المتقن إلى إبداع الجمال، كأبي تمام نفسه، ويبحث عن الكمال بتحقيق اتحاد بين العناية القائمة على التفكير والزخرف الدقيق المنوع الألوان: ... أهدى إليه الوشْيَ من صنعاء (40)

6-عُني الربيعُ برَوضهِ فكأنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت