فهرس الكتاب
وإذ يستقي هذا الحدث الذي يقوم به الربيع من مودة عميقة تعبر عنها العناية والهدية، فإنه يأخذ طابع"رومانتية"قديمة. وعليه، فالعمل الذي ينجزه الزمن، والعمل الذي ينجزه الشاعر النساج لا يختلفان. والشاعر يندمج على هذا النحو في الكون ويقوم بوظيفته وكأنه واحد من عناصره. ... ذهَبَ المعاني صاغَةُ الشعراءِ (42)
هذا الحب للعمل المتقن ولكمال الشكل يبدو أيضًا من خلال صورة مدنية من صور العصر، فأبو تمام يشبه الشعراء الحقيقيين بالصُّواغ الذين يبدعون من التبر الخام معاني محكمة الصنع، أي أشكالًا ثمينة. وعليه فالفنان ليس بوسيط مشلول الإرادة، بل هو صانع يحول المادة الخام ليصنع منها أشكالًا جميلة أخاذة. إنه عامل، همه -كما يقول بارت BARTHES- أن"يشذب شكلًا صنعه، وينحته، ويهذبه، ويرصعه، تمامًا كما يستخرج الصائغ الفن من المادة، قاضيًا في هذا العمل ساعات منتظمة من العزلة والجهد" (41) .
فانظر كيف يصف أبو تمام الخمر:
10-عنبيَّةٌ ذهبيّةٌ سكبتْ لها
والشاعر الصائغ يتوحد في عمله هذا مع الطبيعة، فالأرض ليست سوى الأم التي يصوغ رحمها أزهارًا يخلب منظرها الألباب، ويبعث فيها النُّور: ... جُليَ الربيعُ فإنما هي مَنظَرُ
13-دنيا معاشٌ للورى حتى إذا
14-أضحتْ تصوغُ بطونُها لظُهورها ... نَوْرًا تكادُ له القلوبُ تنَوَّرُ (43)
وعلى هذا فالشاعر الصائغ يقوم بوظيفته في الكون وكأنه عنصر من عناصره، ولكن إذا كان ثمة من تماثل في الوظيفة بين الفعل الشعري وفعل الطبيعة، وبالتالي بين الشاعر والطبيعة أليس هنالك من تفاوت بينهما؟ للإجابة عن هذا السؤال يكفينا أن نعرض إلى فكرة التجديد وما لها من صلة بمفهوم الجمال: ... سُمجت وحُسْنُ الأرضِ حين تغيَّرُ (44)
ففكرة التجديد تتصل اتصالًا وثيقًا بفعل الطبيعة، والنسبية الطبيعية تظهر هنا في هيئة تحول. فالأشياء الطبيعية محكومة عنده بنوعين من التحول، التحول الذي يبرز قبحًا ممجوجًا، والتحول الذي يظهر جمالًا مغريًا: