فهرس الكتاب
والقصيدة إذ تتوحد مع هذا الكائن العجيب، تسقط طبيعتها على مبدعها فيكتسب منها صفاتها، فينتصر مثلها على النموذج الإنساني الذي يرمز إليه الممدوح الذي تدخل معه القصيدة في صراع وتخرج منتصرة، بانتزاعها أسلابه بمزاياها، فتبدو سرمدية الجدة وتكتسب بالتالي صفة الخلود، أي المعنى الحقيقي للحداثة، على الرغم من الزمن. وهذه المظاهر تقنع بلا شك تمجيدًا للذات، فأبو تمام إنما هو نارسيس الذي يمجد ذاته، بانتصاره على الممدوح الذي يمثل الجنس البشري، وعلى الشعراء الخصوم، وعلى الزمن -الذي قهرته القصيدة بخلودها، أي بمجاوزتها حدود الطبيعة.
وعلى هذا النحو فإن الحدث الخلاق ينتهي برؤية تأملية تشمل فن الشاعر، إن هي إلا نظرة تتركز فيها أهمية تجديد أبي تمام، فالشعر عنده ليس تعبيرًا عن فكرة أو عاطفة فحسب، وإنما هو بالأحري تعبير عن تجربة ما ورائية. وهذه التجربة تشي بإيمان أبي تمام بانتصار الشاعر في هذه الأوركسترا الكونية التي تتميز عناصرها تقوم على السيطرة، وإيمانه بأن شرارة الخلق الأولى تتحول، مع الزمن الذي يضيء، إلى نور دائم متجدد، في نشيد فخم يتغنى بتمجيد عبقرية أبي تمام نفسه. ولكن الشاعر، يظهر في مواطن أخرى مصورًا مهمته لا محاكاة الطبيعة بل تفسيرها، وملهمًا يهب له الله ولغته (القرآن) قدرة خلاقة، وإلهامًا إلهيًا:
45-قد جاء في وصفكَ التفسيرُ مُعتذرًا
وإذا كان في هذه النقطة الأخيرة لقاء مع الثقافة الإغريقية ورؤيتها للعمل الشعري الذي وصفه كروتشه CROCE بقوله:
"ظهر العمل الشعري للإغريق القدماء شيئًا يدعو للإعجاب ويكاد يكون معجزًا، حتى إنهم سووا بينه وبين نفحة مقدسة، وحماسة، وعشق، وجنون إلهي، وفصلوا بين الشعراء المنشدين وبقية الفنانين، فكرموهم على أنهم ملهمون أوحت إليهم الآلة، وتلامذةٌ اصفطتهم ربات الفنون LES MUSES ، يصل غناؤهم إلى السماء الفسيحة" (55) .