فهرس الكتاب
فإن النقطة الأولى تمثل تعارضًا مع هذا التوافق، وتميز رؤية أبي تمام عن رؤية الإغريق والإسلام على حد سواء.
مهما يكن من أمر فإن التحليل السابق يسمح لنا بأن ندرك أن رؤية أبي تمام للكون توحد العالم وتنظمه حسب سلم تدريجي تكونه عناصر مختلفة على علاقة درامية تهدف إلى الهدم أو البناء، وينتهي إلى الله، ولكنها تضع إنسان القيم في مركز هذا العالم، إنها بالأحري فلسفة مركزها الإنسان ANTHROPO- CENTRIQUE تمجد هذا الإنسان ولكنها تكرم الفنان ولاسيما أبي تمام نفسه وهي في تمجيدها لإنسان القيم وتكريمها للإنسان المبدع تكريمًا يرقى به أحيانًا إلى مرتبة الإبداع قد تمثل انحرافًا عن الرؤية الكونية السائدة لعصر الشاعر وردة فعل على ما كانت عليه حال الإنسان في هذا العصر، فأبو تمام إذ يمنح نفسه قدرة الخلق يعبر ضمنًا عن صلف الفنان، ويؤكد ذاته على هذا النحو. وهذه الرؤية تُستشف من كثير من مقالات الكندي الفيلسوف العربي والتي وقفها على تفسير ماهية العالم في منظور إبداعي والعلاقات بين هذا العالم وخالقه (56) . كما تستشف من بين سطور كتاب الحيوان للجاحظ، فهذا الكتاب يجسد رؤية كونية يسوسها الله، وهذا الكون مؤلف من قسمين: العالم اللا عضوي، والعالم العضوي الحي، وتنظيم العالم يتوقف على العلاقات بين الأشياء والكائنات الحية، وهذه العلاقات هي المشابه والمختلف، والضد، التي تتوقف عليها وحدة العالم. وهدف المؤلف هو الكشف عن هذه العلاقات والبرهنة على كمال آلية الإبداع، وبالتالي على كمال المبدع (57) .
وأبو تمام إذ يرى هذه الرؤية الفذة ويلح على حرية الإنسان ولا سيما الإنسان المبدع إنما يمثل ردة فعل على ما كان يعانيه الإنسان واقعيًا في عصره، فقد كان هذا الإنسان فريسة تمزق داخلي ولا سيما إنسان النخبة، وهذا التمزق نتيجة المفارقة العجيبة بين المثال والواقع: