"أما بعد، فإن كتاب المشتبه في الرجال أسمائهم وأنسابهم، الذي ألفه في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الإمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي رحمه الله، كتاب مشتمل على فوائد، محتو على نفائس فرائد، ليس له في مجموعه نظير، لكن اختصاره أدى إلى التقصير. فترك التقييد بالحروف واحتكم، وجعل اعتماد طالبه على ضبط القلم، فأشكل بذلك ما أراد بيانه، وخفي بسببه ما قصد إعلانه، فأوضحت ولله الحمد ما أهمله، وبينت ما أجمله، وفتحت ما أقفله، وأفصحت عما أغفله، ورفعت في بعض الأنساب، ونبهت على الصواب مما وقع خطأ في الكتاب (4) ."
ولقد صدق رحمه الله؛ فإن الناظر في كتابه يتبين، ولأول وهلة، مبلغ الجهد الذي بذله في تحقيقه، وكأنما أراد ألإ يدع زيادة لمستزيد، حتى عده الدكتور بشار عواد معروف"من أنفس الكتب الموضوعة في هذا الفن على الإطلاق (5) ".
ثانيهما- الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام، قال عنه الزركلي:
"جردها من توضيح المشتبه مؤلفهما محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد، المعروف بابن ناصر الدين. مخطوط كتب سنة 829، وطرته بخط مؤلفه. في المكتبة العربية بدمشق" (6) .
ويستفاد من هذا التعريف الوجيز أن ابن ناصر الدين كان قد فرغ من كتابه"التوضيح"قبل سنة 829، وأن عنايته بمشتبه الذهبي لم تنقطع بعد تأليف التوضيح، مما جعله أرسخ قدمًا من غيره في هذا الكتاب بخاصة، وفي فن المشتبه بعامة.
*أما ابن حجر العسقلاني الإمام (773-852) فقد صنع في التعليق على المشتبه للذهبي كتابه المعروف"تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، وقال في مقدمته -وهذه عبارته باختصار:
"أما بعد، فإني لما علَّقت كتاب المشتبه الذي لخصه الحافظ الشهير أبو عبد الله الذهبي رحمه الله، وجدت فيه إعوازًا من ثلاثة أوجه: أحدها تحقيق ضبطه لأنه أحال في ذلك على ضبط القلم. وثانيها: إجحافه في الاختصار."