وعدا الحب والوصال فإن مجرد خلو الإنسان بآخر يحدث اتصالًا مباشرًا بين مشاعرهما ويجري تيارًا خاصًا بينهما فلو انضم شخص ثالث لتوقف الاتصال المباشر أو لتعكر. وراء التقاء شخصين يبدأ الجمهور.
مزية اللغة العربية الحفاظ على المثنى عند لزوم استعماله. نذكر أنه تُرجم أحد دواوين الشاعر الفرنسي الكبير (أراغون) بعنوان (عيون إلسا) ولا شك أن المراد (عينا السا) وإلا فإن العيون يراد بها الجواسيس أو وجوه القوم. ولو أخذت على حقيقتها بالجمع كأن يكون للحبيبة ثلاث عيون أو أكثر لأصبح ذلك قبحًا ما بعده قبح، وغدا شكلها مفزعًا.
بعد هذا الاستطراد الذي ينوه ببعض محاسن الترجمة لا بد لنا من أن نشير إلى مآخذ على كلتا الترجمتين.
ثمة جدال طويل بين المفكرين في إمكان ترجمة الشعر من لغة إلى لغة أخرى. يرى بعضهم تعذر الترجمة ويرى آخرون إمكانها. هذا موضوع يحتاج إلى معالجة مفردة لسنا بصددها وإن كنت أميل إلى إمكان الترجمة بشروط.
تقديرنا وثناؤنا على كلتا الترجمتين الآنفتين لا يمنعان من أن نشير إلى أن استيعاب المعنى وما توحي به ألفاظ القطعة الأجنبية لم يكن كاملًا فيهما. ونقص الاستيعاب هذا ناشئ عن زيادة الثقة بالنفس وقلة استيحاء التراث، التراث اللغوي العربي واسع سعة نستطيع بها دائمًا أن نجد الكلمة التي هي أوفق من غيرها في ترجمة الشعر وفي التعبير الذي هو أشف عن المعنى المراد. وثراء التراث اللغوي العربي لا يماثله أو يلحق به إلاّ ثراء اللغة الروسية لأن محاولات الترجمة الشعرية من اللغة الفرنسية إلى الروسية كانت كثيرة التوفيق.