فهرس الكتاب

الصفحة 2535 من 23694

ولم يكتف الأندلسيون بدراسة المقامات ونقلها، بل أنشؤوا تعليقات عليها أشهرها تعليق الشريشي الذي قرأ التعليقات السابقة كلها، وعندما عثر على تعليق الفنجديهي نقح كل شيء كتبه من قبل (8) .

وما يعنينا في هذه المقالة هو المقامة كما كتبها الأندلسيون، وخصوصًا تلك المقامات التي بقيت مخطوطات لمّا تنشرْ.

وكان أول من كتب في هذا اللون الأدبي من الأندلسيين"ذو الوزارتين"أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أبي الخصال (465-540 هـ/ 1073-1146م) (9) وعلى الرغم من تأثره بالحريري، كانت مقاماته تتصف بخصائص متميزة، سواء في الشكل أو في الأسلوب. ومن الأمثلة على ذلك مقامة نجدها في مجموعة رسائله المحفوظة في مكتبة الاسكوريال مخطوطة رقم 519 يحاكي فيها الحريري محاكاة تامة حتى إنه سمى أبطال مقامته هذه بأسماء بطلي الحريري، أي"الحارث بن همام وأبو زيد السروجي" (10) .

كان المشهد في الريف، حيث يصف ابن أبي الخصال ممثلًا شخص الحريري فرحة الريفيين بشؤبوب المطر الغزير عندما فاضت الأنهار وانتعشت الخضار. وفيما هو يتجول في الريف يلتقي حشدًا من الناس تجمعوا حول بيت حيث كان يخاطبهم شيخ ببلاغة فائقة.

فجمع له الناس مالًا وفيرًا، ورجاه الحارث أن يبيت عنده في بيته قاصدًا سرقته. ولكن غايته أحبطت، إذ تظاهر الشيخ بالنوم، وعندما استيقظ الحارث لم يجد الشيخ. لقد انسل الشيخ من فراشه تاركًا قصاصة من الورق كتب عليها ثلاث قصائد. الأولى من عشرة أبيات والثانية من أربعة عشر بيتًا يبسط فيها الشيخ ما أصاب من الحب وما عاناه منه. أما الثالثة فمن تسعة عشر بيتًا يشكر فيها الريفيين على اللطف الذي غمروه فيه.

ثم يكتشف الحارث بن همام أن العجوز لم ينصرف عنه إلا ليذهب إلى الحانة حيث أنفق ماله كله، ثم أودع السجن بسبب الديون التي ترتبت عليه لصاحب الحانة. وهنا يقدم ابن أبي الخصال وصفًا دقيقًا مفصلًا ورائعًا للحانة وزبائنها والعاملين فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت