فهرس الكتاب
ثم يحدث من تعاون هذه الاختلافات واختلاطها امتزاجات مختلفة تختلف بها خلق الأمم وشيمها. ص 71. سياسة) ولنلاحظ أن أثر العامل الجغرافي البيئي لا يقتصر على توجيه التكيف الإرادي للإنسان في الاقتصاد والاستراتيجية وإنما يلعب دورًا بيولوجيًا في تكون أبناء البيئة. ولسنا هنا في مجال مناقشة آرائه بل في مجال عرض نماذج من تفكيره القائم على العوامل الواقعية والمادية لنؤكد أنه ليس مثاليًا بحتًا ولم يبحث في السياسة من الزاوية الأخلاقية وحدها. ولنؤكد أيضًا أنه وإن اهتم بدولة المدينة فهو لم يجهل وجود الأمم وكيانها. وغاية الإنسان عند الفارابي هو الوصول إلى السعادة فالاجتماع الفاضل هو الذي يقصد به التعاون على نيل الأمور التي توصل إلى السعادة سواء أكان مدينة أم أمة أم معمورة فاضلة (ص 78 آراء) . وليس الخير هو السعادة وحدها وإنما تعتبر الوسائل والطرق التي تؤدي إليها خيرًا (والسعادة هي الخير على الإطلاق وكل ما ينفع في أن تبلغ السعادة وتنال به فهو أيضًا خير ص 72. سياسة) وأما الشر فهو ما يعوق عن تحقيق السعادة وهو شران طبيعي وإرادي. وليس واجب الدولة الفاضلة إزالة الشر الإرادي الناتج عن إرادة الإنسان فقط بل واجبها أيضًا إزالة الشر الطبيعي الناتج عن طبائع الكائنات الأخرى وتفاعلاتها. (وبلوغ السعادة إنما يكون بزوال الشرور عن المدن وعن الأمم. ليست الإرادية منها فقط بل والطبيعية. وأن تحصل لها الخيرات كلها الطبيعية والإرادية ص 84. سياسة) .
وهذا جانب من جوانب الفارابي يمكن أن ينفذ من خلاله التطوير، فالتعاون للتخلص من الشر الطبيعي يعني في معجمنا الحديث التخلص من الأمراض والأوبئة ونقص الغلات وما إلى ذلك من معيقات الإنسان عن تحقيق أهدافه في نيل أفضل حياة ممكنة.