فهرس الكتاب
وبالتالي فالمدن يجب أن تكون متغالبة متقاتلة ومن يقهر الآخرين يكون الأسعد. وهذه الأصول التي يتفق عليها المنادون بالقوة تتشعب عنها تفرعات منها رأي يقول بتنافر كل إنسان مع كل إنسان ولا يأتلف اثنان إلا عند الحاجة والضرورة، واجتماعهما لا يتم على أساس التساوي بل على أساس قاهر ومقهور، وإذا كان الاجتماع لسبب وارد من الخارج مثل كارثة طبيعية أو هجوم حيوان مفترس فيجب أن ينتهي حال زوال السبب الخارجي. ومن أنصار القوة من رأوا أن الحاجة إلى الاجتماع مستمرة مع الزمن كحاجة طالب القهر إلى من يساعدونه على بغيته فيقهر قومًا آخرين يستعين بهم على قهر سواهم، وليس المساعد مساويًا للأول بل مقهورًا مجبرًا.
وذهبت جماعة أخرى إلى أن القوم الذين يبتغون قهر سواهم تقوم الرابطة بينهم على أساس الائتلاف والمحبة الناتجين إما عن الاشتراك في والد واحد أي في الانحدار من أصل مشترك وكلما كان الوالد أخصّ بهم زادت الألفة فيما بينهم واندفعوا للتغلب على من عداهم. ومن هنا يذكر التجمع السياسي القائم على قوة القبيلة والتحالف بين القبائل ولا سيما أنه يذكر المصاهرة كرابطة من الروابط التي تجمع وتؤلف. وهذه الفكرة تشبه قوة العصبية التي انطلق منها ابن خلدون في بحثه عن قيام الدول أو السلالات الحاكمة لكثرة ما اطَّلع على دول أسست على العصبية العشائرية. وإما أن يقوم الارتباط بتشابه الشيم والخلق الطبيعية والاشتراك في اللغة على اعتبار أن أبناء كل أمة يتشابهون فيما بينهم ويباينون سواهم وهذا نوع من القومية أو العصبية القومية لأن الفارابي يذكره في مجال نظريات القوة. ثم يدلي بنظرية أُخرى تقوم على القومية ولكن تجعلها ثمرة التساكن والعوامل الجغرافية عندما تحدث عن رأي الذين يرون الارتباط هو الاشتراك في المنزل ثم في المدينة فالصقع الذي فيه المدينة. ويتحدث عن اشتراكات عديدة بعضها تصلح لقيام الدول وبعضها لا يصلح إلا لقيام جماعات جانبية.