فهرس الكتاب
ثم مضى فتحدث عن جيش قومه ذاكرًا خيلهم وفرسانهم الحاملين أسباب المنايا، وذكَّرهم بهزيمة حاجب بن زرارة، وأعاد إلى أذهانهم صنيع فرسان ليلة الحنو، ونعى عليهم هزائمهم في يومي النسار والجفار. والذي يهمنا هنا هو هذه الرسالة الشعرية في الأبيات السابقة التي يقول فيها بشر: ... ومولاهم فقد حلبت صُرام
أيا بني سعد وبني حنظلة لئن وقعت الواقعة لسوف تُهزمون، وترحل ظعائنكم هاربة إلى أرذل الأماكن وأوخمها. ثم يقسم الشاعر بالنوق التي تقدم هديًا إلى مكة وبالإبل التي يرتحلها قوم سيفرغون من فرائض الحج.
ويبرع بشر في تهديد هؤلاء وتخويفهم حين يصوّر جو المعركة قبل وقوعها. ولا غرو في ذلك، فقد كان فارسًا خاض غمار الحروب، وهو يرى أن فرسان أسد ستسد على الأعداء الآفاق، وتملأ الفضاء بخيل عليها جنة تحمل في أيديها ما يؤول بالأعداء إلى الموت الزؤام، وهو موت خافه حاجب بن زرارة ففرّ، ولو صمد لما كان مصيره أحسن من مصير"الحمار وجندب"اللذين يبدو أنهما قتلا في المعركة.
ومن الجدير ذكره أن لفظة"بليل"في البيت الأخير هنا جاءت تحمل دلالة قوية أغنت المعنى وأثرت سياق الوعيد، فالرحيل ليلًا أشد هولًا وأعظم نصبًا من الرحيل سحرًا أو فجرًا. وفي وسع المرء أن يتصور كم سيكون هذا الرحيل مرًا ومربكًا، لأن العرب اعتادت أن ترحل في الصباح الباكر، بيد أن بني سعد - وقد أيقنوا بالغارة الأسدية - سيضطرون إلى إرسال ظعنهم ونسائهم، وهم لا يعلمون أين ستذهب.. ولكن الشاعر يخبرنا أنها رحلة كقفزة في مجهول، بل هي أشد خطرًا، لأنها ستؤول إلى أرض ليس فيها عز أو كرامة أو أمن..
وهكذا تتكامل جزئيات الوعيد وتتكثف فيزداد وقعها ألمًا، وتتضافر عناصرها لتشكل حربًا نفسية أسند للشاعر شنها على الأعداء، حربًا كانت تؤدي بحق ما تؤديه الحرب الفعلية وهل من شك في أن فعل اللسان لا يقل، في كثير من الأحيان، عن فعل السنان؟