فهرس الكتاب

الصفحة 2674 من 23694

فالشاعر يعجب لخيانة بني لأم الذين لا يرعون ذمة، وينعتهم بالجهل والجبن، ويتهددهم بقصائد هجائه، وكأنه لم يبدأها بعد، ويسخر سخرية مرة من بجير بن أوس هذا الذي يبدو مظهره عكس مخبره، فهو في الظاهر جميل طيب كشجر الألاء، ولكنه، عند الاختبار، مرّ ممجوج لا يستساغ، وعندما ينتقل بشر من الابن إلى الأب لا يستسيغ له وعيده أيضًا، فيعجب: ... وقد أبدى مساوئه الهجاء

فيا عجبًا! أيوعدني ابن سعدى

وحولي من بني أسدٍ حلولٌ ... كمثل الليل ضاق بها الفضاء

هم وردوا المياه على تميم ... كوردٍ قطا نأتْ عنه الحِساء (13)

إن دهشة بشر من وعيد أوس وتهديده ليست لأنه هو الشجاع والرجل الصنديد الذي يجب أن يهاب ويخشى فحسب، بل لأنه قد شرع في هجائه من جهة، ولأنه - وهذا هو الأهم - محوط بقومه أسد هؤلاء الذين يشبهون الليل المطبّق على الآفاق. ... معدًَّا حيثما حلُّوا وساروا

ويحسن أن نلاحظ أن الليل كان وما يزال مرهبًا وراعيًا، وهو يطلق عقال النفس والناس، ويثير نزعة المرء إلى السطو والعدوان.. فتشبيه بشر قومه بالليل جاء تشبيهًا موفقًا وقد أراد به أن يسخر من أوس، وأن يخيفه وقومه، فصار إلى ذلك.. فمن هم قوم أوس إذا قيسوا بقوم بشر الذين فاجؤوا بني تميم وحطوا عليهم كما يحط القطا العطشان على ماء بعيد؟ ومن هم إزاء هذه الكثرة الكاثرة من أسد التي تضارع الليل في شموله الأحياء والأشياء حينما يرخي سدوله السوداء؟ وفي إمكان الدارس أن يلحظ شيئًا آخر من تشبيه بشر قومه بالقطا هو سرعة هجوم أسد على الأعداء التي تضارع سرعة القطا الهابط على الماء بعد عطش طويل.. فالقوم والقطا كلاهما مهتد إلى هدفه، وكلاهما سريع إليه، وكلاهما عطشان ملهوف للورد.

ومما نلاحظه في هذه القصيدة أيضًا أن الشاعر يتعجب مرتين اثنتين، مرة لخيانة بني لأمٍ العهد الذي يجب أن يصان ويُرعى، ومرة لأن التهديد جاء وبشر محوط بقومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت