فهرس الكتاب
والتعجب الأول يكشف عن استهجان الشاعر لنكث أولئك بعهودهم، وحفظ العهود كان هاجسًا من هواجس بشر، ولا سيما إذا تذكرنا أن أسدًا كانت تسكن بين قبائل لا تربطها بها صلة نسب، فهي تعوض من هذه الصلة بالأحلاف التي تعقدها، وقد عقدتها فعلًا مع طيء وغطفان، وبعبارة أدق، مع بعض بطون طيِّئ وبعض بطون غطفان. وكان على أسد أن تفي بوعودها وتصون أحلافها. ومن هنا نستطيع أن نفهم فخر بشر بهذه الخلة من خلال قومه حين يقول فيهم:
هم فضَلوا بخلاتٍ كرامٍ
فمنهن الوفاء إذا عقدنا ... وأيسار إذا حُبَّ القتار (14)
أضف إلى ذلك أن خيانة لأم كانت سببًا من أسباب هجاء بشرٍ أوسًا. ولعل غدر بني عدس بن زيد كان وراء قصيدة بشر التي يقول فيها: ... بما سنُّوا لباقية الختور
ألا أبلغ بني عُدَس بن زيدٍ
شفى نفسي وأبرأ كل سقمٍ ... بقتلى من ضياهرة الجعور (15)
وفي كلتا الحالتين يبدو بشر حريصًا على الحلف، جاعلًا الإخلاص له مأثرة من المآثر، والغدر به مثلبة من المثالب. ... وذلك من ملمات الخطوب
والتعجب الثاني في القصيدة الهمزية يكشف واقعًا كان الشاعر يؤمن به أشد الإيمان. وهو أن القبيلة التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، وتحميه كما تحمي المحاجر العيون، من شأنها أن تسفه وعيد أوس، وأن تبعث الطمأنينة في قلب بشر.
ثم إن هناك أمرًا آخر يجب أن نضيفه هنا، وهو أن الشيء الجمعي قد تقدم على الشيء الفردي. ولست أظن أن المسائل الآتية عديمة الدلالة:
-أن يهجو بشر قوم أوس أولًا، ثم يخصص فردًا منهم.
-أن يعجب بشر من التهديد والوعيد الذي يرسله أوس، في الوقت الذي ينعم فيه هو بمظلة قومه.
-أن يفخر بشر بقبيلته أولًا، ثم يتذكر نفسه.
وهكذا فإن اقتحام الشاعر مغامرة الهجاء كان فعلًا قبليًا يقف وراءه بنو أسد شيبًا وشبابًا وقد كرر الشاعر معانيه السابقة في القصيدة (4) حيث قال:
أتوعدني بقومك يا بن سُعدى
وحولي من بني أسدٍ حلول ... مبنُّ بين شبَّان وشيب (16)