فهرس الكتاب
"ومنهم من أقسم بالآباء والأجداد، لما لهم من مكانة ومقام في نفوسهم، ومنهم من حلف وعقد الحلف عند المشاهد العظيمة، أو في معابد الأصنام أو عند قبور سادات القبائل المحترمين فيحلفون بصاحب هذا القبر ويذكرون اسمه على التعاقد والتآزر، أو على ما يتفق عليه المتحالفون، وعلى الوفاء بالعهد" (21) فبشر إذن يربط بين إخلاف وعود لقوم أوس، وما هو منتظر من إخفاق الوعيد والتهديد الصادرين عن أوس.
ويجمع بين قصائد بشر التي مر ذكرها الفخر بأسد وذكر أيامها ووقائعها والتحدث عن علائقها بالقبائل المجاورة، يضاف إلى ذلك قصائد بأعينها أخلصها الشاعر لغرض الفخر القبلي. وفي وسع الباحث أن يتحدث، من خلال شعر بشر، عن القبائل التي كانت أسد تقيم معها تحالفًا ما، أو التي كانت أسد تعاديها وتصطدم بها في وقائع وأيام.. بيد أن التاريخ الدقيق لحالات الصفاء أو العداء لا يمكن استخلاصه من ديوان الشاعر، وذلك للأمور التالية:
أولًا-أن الترتيب الزمني لنظم القصائد يبدو أمرًا عصيًا جدًا، بل هو شبه مستحيل.
ثانيًا-إن الشعر هنا لم يُقلْ ليؤرخ هذه العلاقات والوقائع، بل كان، وطبيعته غالبًا كذلك، ينتمي إلى أفق غير أفق التاريخ، فهو يعلو عليه من جانب، ويزورُّ عن مساره من جانب آخر. ومع ذلك فثمة نتائج تاريخية يسلم إليها تحليل الشعر لا يصح التنكر لها، فالأثر الفني ليس منعزلًا بحال من الأحوال (22) .
ثالثًا-إن الشاعر، وهو فارس من الفرسان، يحيا في بؤرة الأحداث، وليس في موقع يتيح له أن ينظر إليها من علٍ. وبعبارة أخرى، ليس بينه وبين الوقائع فسحة تسمح له أن يبحث في الأسباب والنتائج، وأن يحلل بدقة وموضوعية أبعاد الحدث، وأن يوازن بين الروايات، ثم يمضي مستخلصًا ما ينتظر استخلاصه من رجل التاريخ. وبالتالي فهو منحاز إلى قومه من رأسه إلى أخمص قدميه.