فهرس الكتاب
وفي المحيط القبلي كان الإحساس بالعدوان وكثرة الذحول والأضغان مثيرات قوية لنظم الشعر، وهي - دون شك - أشد إثارة من حالات الصفاء والسلام. ونحن نعلم أن أسدًا حالفت بعض القبائل، وكانت غطفان وطيء وأسد تشكل حلفًا مشهورًا، ولما كان بنو بدر من غطفان خصهم بشر بالقصيدة (12) والقصيدة (34) ، وذكرهم في القصيدة (28) . ولكن بطونًا أخرى من غطفان لم نلمح أثرًا لحلفها مع أسد، على عكس ما في ديوان النابغة، فالذي في شعر بشر هو الفخر على عشائر وأحياء من غطفان، ففي القصيدة (15) يقول بشر:
وأما أشجع الخنثى فولُّوا
وحلَّ الحيُّ حيُّ بني سُبيعِ ... قُراضبة ونحن لهم إطار
ولم نهلك لمُرَّة إذ تولوا ... فساروا سير هاربة فغاروا (23)
وأشجع وبنو سبيع ومرة أحياء من غطفان. وبشر ينعي على أشجع هربها وصياحها، الذي يشبه صياح التيوس، ويغمز من بني سبيع الذين أمسوا لا يستغنون عن أسد، فهم تحت حمايتها، ويشمخ بأنفه عاليًا لأن قومه لم يبالوا بخروج"مرة"تلك التي كان مصيرها كمصير"هاربة"التي ابتعدت عن أهلها وتحوّلت إلى الشام، ونزلت في بني ثعلبة بن سعد. ... تهرُّ لشجوها منها صحار
ولعلّ خير تفسير لهذا الموقف العدائي من بطون غطفان هو القول: إن هذه البطون لم تكن تنتمي إلى حلف أسد وغطفان، أو كانت تنتمي إليه ثم حدث ما دفع بها إلى الخروج من هذا الحلف، ويؤيد ذلك أن"مُرَّة"هربت من غطفان، ولم يكترث لها قوم بشر بنو أسد، فما العلاقة إذن؟ إنها الحلف الذي كان يربط بين أسد وغطفان فيجعلهما قبيلة واحدة، أو كالقبيلة الواحدة.
أما بنو طيء فالذي نجده عنهم هو الإشارة إلى حربهم ضد أسد، وليس لحلفهم أثر في الديوان، ففي القصيدة (15) أيضًا تمتلئ نفس بشر بالتيه والفخار فينشد:
وشبَّت طيء الجبلين حربًا
يسدُّون الشعاب إذا رأونا ... وليس يعيذهم منا انجحار (24)