فهرس الكتاب
"إن لسقوط الرئيس صريعًا شأنًا كبيرًا عند القبائل، فالرئيس هو الرمز المعنوي للقبيلة فمتى سقط انهارت معنوياتها، وخارت قواها، ولا تستطيع عندئذٍ الثبات في الميدان، فيهرب أفرادها في غالب الأحوال، ويكون النصر للجانب الذي أسعده الحظ بوجود فارس عنده قتل رئيس خصمه" (54) .
على أن كل ما تقدم لم يمنع بشرًا من أن يقدم على عمل ينافي ولاءه لقومه واعتزازه بهم وفخره بخلالهم، فقد غلب في موقف غريب من مواقفه مصلحته على مصلحة القبيلة، وعلا فيه صوته على صوت الجماعة، وضحى بكل معاني الفخر التي سجلها في ديوانه، وذلك عندما هجا قبيلته مطلقًا عليها اللقب الذي عرفت به فيما بعد"عبيد العصا":
عبيد العصا لم يمنعوك نفوسهم
وما ندري ما السبب الذي دعا بشرًا إلى مثل هذا القول، أتراه تأثر بموقف لقبيلته لا نعرف عنه شيئًا فوقف يقرعها عليه؟ أم أنه أراد التقرب من أوس الذي يمدحه بالقصيدة التي حوت هذا البيت الذي يُعد من قبيل"جمحة من زكنة؟؟"
ولكن هذا الشذوذ في أنغام الشعر القبلي لا يمنعنا من أن نخلص إلى مجموعة من النتائج تجمعها النقاط التالية:
1-إن نهضة أسد في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، وبروزها في شبه الجزيرة العربية قوة مهيبة كانت ملهمًا حقيقيًا لشاعرية بشر، وقادحًا موريًا لقريحته الشعرية.
2-إن شعر بشر القبلي كان، في الغالب، يتناول قضايا قبلية، ويرصد أيامًا ووقائع، بين أسد والقبائل المحيطة بها في نجد وأطرافها، دون أن يعدو ذلك إلى رسم علاقة أسد بالدول المجاورة كالغساسنة والمناذرة صنيع النابغة الذبياني في شعره القبلي.
3-إن أحلاف أسد مع القبائل المجاورة لم تبد بوضوح في شعر بشر، بل ما بدا هو حروب أسد. ولكن قضية الوفاء للحلف بحد ذاتها، كانت هاجس الشاعر، فهو يفخر بها ويحرص على إكبارها، ويهجو من يخون العهود أو يتنكر لها. وقد مضى تعليل ذلك في الصفحات السابقة.