فهرس الكتاب
بعد مقتل المغيرة انتهز ابن أبي عامر فرصة العداء التي حدثت بين المصحفي والصقالبة وأخذ يوقع بين الفريقين، واستطاع بذلك أن يقضي على الصقالبة ويشتتهم ثم قبض على المصحفي وزجه في السجن ونسب إليه تهمًا عديدة، كان المصحفي شاعرًا، فأخذ يستعطف المنصور بالشعر من مثل قوله (15) :
هبني أسأت فأين العفو والكرم
يا خير من مدت الأيدي إليه أما ... ترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا
فأجابه المنصور: ... تبغي التكرم لما فاتك الكرم
يا جاهلًا بعدما زلت بك القدم
ندمت إذ لم تعد مني بطائلة ... وقلما ينفع الإذعان والندم
نفسي إذا أحجمت ليست براجعة ... ولو تشفع فيك العرب والعجم
وكان المنصور قد تركه مكبلًا في سجنه وكثيرًا ما كان يأخذه في مواكبه مكبلًا زيادة في الإذلال، وبقي المصحفي في سجنه بالمطبق بالزهراء حتى مات، وقيل قتل خنقًا، ومن بديع ما حفظ في نكبته قوله: ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
صبرت على الأيام لما تولت
فيا عجبًا للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت!
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
وقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولَّدت
ويروي ابن عذارى عن لسان كاتب المنصور محمد بن إسماعيل كيفية إخراج المصحفي من المطبق بعد موته عاريًا إلا من ثوب ممزق للسجان يستر نصف جسده فقط، وقد حمل على فردة باب، ولم يحضر الدفن إلا إمام المسجد المكلف بالصلاة عليه. ... يرى ما قلَّ ممتنعًا عليه
بين المنصور والقائد غالب أمير الثغور: