فهرس الكتاب

الصفحة 2698 من 23694

"كان المنصور، آية من آيات الله بالدهاء والمكر والسياسة، عدا بالمصاحفة (أي أعوان الحاجب المصحفي) على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب على المصاحفة حتى قتلهم، ثم عدا بجعفر بن الأندلس على غالب حتى استراح منه، ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه. ثم انفرد بنفسه ينادي صروف الدهر: هل من مبارز؟ فلما لم يجده، حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده، واستقام له أمره منفردًا بسابقة لا يشاركه فيها غيره" (17) .

جهاد المنصور ضد الممالك النصرانية في شمال إسبانيا:

بعد أن وطد المنصور أمره على عرش الأندلس وأصبح من القمة في مكان حصين، رأى أن يدعم نفوذه بعمل يكسبه شرعية في الحكم وشعبية بين الناس، وكان الجهاد هو سبيله لبلوغ ذلك.

كانت أولى غزواته تلك التي شنّها على برشلونة، وقطالونيا، فقد خرجت عساكره من العاصمة قرطبة وسارت في طريق البيرة وبسطه ومرسيه، ثم اتجهت شمالًا إلى الساحل الشرقي المطلّ على البحر المتوسط حتى بلغت برشلونة بعد شهرين تقريبًا. فقلبت عاليها سافلها ولم يجرؤ حاكمها بريل الثاني على مواجهة المنصور. ورغم أن المنصور لم يكن رجل حرب فإنه قاد الجيش في أكثر من 52 غزوة انتصر فيها جميعًا، وكان يجمع الغبار العالق على وجهه وثيابه في كل غزوة حتى تجمعت لديه صرة كبيرة أوصى بدفنها معه عند موته.

ومن لطيف ما حفظ لنا"النباهي" (18) في كتابه (تاريخ قضاة الأندلس) خطط المنصور العسكرية وذلك أنه في إحدى غزواته المسماة بغزوة (أجر بيره) أحاط الروم بجيشه وقتلوا عددًا من أصحابه، فاستعمل المنصور الحيلة، وذلك بأن نقل خيامه إلى رأس جبل مشرف على الروم فظن هؤلاء أن المسلمين قد جيَّشوا جيشًا كبيرًا، فدخلهم الرعب وهربوا وانتصر المنصور. ثم كتب بعد ذلك إلى من هرب من جيشه أثناء القتال كتابًا ومن فصوله ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت