فهرس الكتاب
لقد احتوت كتابات أبي محمد صنوفًا من المذاهب الفلسفية المختلفة، ظهرت جميعها موضع ازدرائه لقصورها عن إدراك الحقيقة، وقد اعتبر أن"أرفع مذاهبهم مذهب أرسطو، وكتبه أرفع الكتب كذلك. إذ هو الحكيم بإجماع منهم، وهو المتبع عند فلاسفة الإسلام" (12) . ونقد ما قاله أرسطو في النفس والمنطق والعالم، حتى قدَّم تلاميذ بن سبعين فلسفته على أنها هدم لذلك العلم الذي كانت العامة تطلق على المشتغل به"اسم زنديق، وتقيد عليه أنفاسه. فإن زل في شبهة رجموه بالعجارة أو أحرقوه قبل أن يرفع أمره للسلطان" (13) .
مفتاح الفلسفة السبعينية:
يعتمد ابن سبعين لقيام فلسفته مبدأ واحدًا، هو التمييز بين ما هو"وجود حقيقي"وما هو"وجود وهمي". وهذا ليس بالأمر اليسير - على محدوديته - لأنه لا يتحقق إلا عن طريق نفي المشخص، بالاستناد إلى المطلق، الذي يعتبر أن"الحق واحد، وما عداه وهم" (14) . والأوهام - بالتعريف عنده -"هي المستندة والمستند إليها بوجه ما". ويمكن القول بأننا"نحن تلك الأوهام، بل نحن نحن، بل هو هو، بل لا يقال نحن ولا هو من حيث الإشارة والميل، ولكنها تشعر بالشيء الذي يجد ذلك الشيء من كل الجهات، ويصرف هو والهو هو إلى أنا، ويجد الآنية والهوية معًا".
يفرض هذا أن يتبع نقله صرف"الهو"و"الهو هو"إلى"أنا أنا"بغية إيجاد"الآنية والهوية معًا"،. خطوة أخرى مكملة، هي اعتبار جميع الأوهام نتاج ما يعرض لعقولنا من وقائع العدد والكثرة، وما يؤثر من ذلك في تكوين أحكامنا التي تعبر عن معرفتنا ما هو محيط بنا ضمن ظروف المكان والزمان. و"مَنْ عَلِم هذا تجاوز، واستعار الوهم، واستند إلى ظل حقيقة وهمية، وجعلها موضوعة لذلك الوهم، وسمى ذلك ذاته، وأوجد مَنْ لم يكن، وأعدم مَن لم يزل" (15) .