فهرس الكتاب
الذات الإنسانية - إذن - هي سبب القول"بوجود مشخص"وهو من أحوالها، أما الحقيقة فهي أن"الوجود مطلق". وفي مكنة الذات هذه إدراك ما قامت به، من حيث أنها أوجدت من لم يكن موجودًا"الأنا"وأعدمت من لا يزال ماثلًا"الهوهو"ويتم لها ذلك عن طريق نزع الوهم. ولدفع هذه الأوهام في طريق تحصيل المعارف الحقة بالوجود، حصرها ابن سبعين في تسعة هي: العقول، العلم، القياس، الحد، النفس، العادة، الإضافة، الزمان، المكان (16) .
وقد رفض ابن سبعين أن يكون"المنطق الصوري"أداة كفيلة بالوصول للكشف عن حقيقة الوجود، من حيث هو وجود، وعرض"علم التحقيق"بديلًا في المنهج والأداة، وقدَّر أن حقيقة العلم تتبين عند معرفة النفس والعقل وماهيتهما، والوجود المطلق والمقيد والمقدر، والمحو والنظام القديم، والانسلاخ عن الآنيات المضافة والذوات المفارقة، وتقدير العلل الموضوعة أولًا وفساد نظامها في الذهن (17) . ورأى أن ذلك كله لا يتوافر إلا في علم موضوعه"الوحدة المطلقة"يفيد من مكتسبات العلوم السالفة، فيحتوي ما فيها من أشتات الصواب وأعلاق النجوع، بتوحيدها، ويتخطاها إلى درك الحقيقة مطلقة.
موضوع هذا العلم هو"الحق"، ومنهجه"الحق"، وغايته"الحق"، وهو هو"فلا زوال للحق"ولا شك فيه، ولا يأخذه النقص ولا يختلف ولا يتغير. وهو الذي به الشيء ما هو، وهو الشاهد لنفسه، المتفق من جميع جهاته.. وكل حائر فمن أجله كانت حيرته فيه وبه.. إنه هو المطلوب، وبه يطلب، ومنه الطالب، وله، ومنه وعنه الكل" (18) ."