فهرس الكتاب

الصفحة 2793 من 23694

وقد اعتبر"أبو الوفا التفتازاني"هذا النص"مثالًا لانغلاق كلام ابن سبعين" (35) ، والسبب في هذا الموقف ناشئ - بالدرجة الأولى - عن اقتصاره في تحديد مذهب عبد الحق على ما جاء في"بد العارف"خاصة، دون ما قاله مفكرنا في"الرسائل"مما أثبته من تقسيمات ورد وتركيب (36) .

ولو تدبرنا هذا النص الكثيف قليلًا، لأمكن تحديد ابن سبعين النفس في أنها: الطريق الذي يوصل الخواص إلى الوحدة المطلقة، وأنها التي تظهر لنا أن جزاء المعصية قصاص لا بد منه، فهي نور الإنسان الذي يتميز به عن العجماوات وسائر الموجودات الأخرى بما يشتمل عليه من عقل وعلم، وهي التي تمكننا من كبح جماح الشهوات والتخلي عن مشاغل الدنيا، فتجعلنا مغتبطين بسعادة الوصول إلى الوحدة.

كما أن النفس هي السراج الذي يضيء سبيلنا القويمة بتحقيق قول الحق: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض( فنعلم أن الحق واحد، وينكشف لنا أنه القادر على جعل ما هو كائن خلاف ذلك، من حيث هو وجود مقيَّد أو مقدر، أنا أو أنت أو ما يحدث في المستقبل. فإذا أعرض الإنسان عن درك الوجود، من حيث هو، بسبب الأوهام من أحوال الضمير، تخطَّفه العذاب لنفي هذا الوجود.

والنفي مصدر السلام الذي يستشعره العبد بعد ثوابه ودخوله الجنة راضيًا، كما أنها مدركة الحساب الذي يُلقَّاه المنكر بعد دعوته لذوق عذاب الحريق. وهي التي تميز نقمة أن يقف السالك عند حد العبادة دون تحقيق الوحدة، والتي بمكنتها إبصار غاية الفعل، فتخلف"الواحد"في معرفة المستقبل، مما أثبته في اللوح المحفوظ، وبما هو يعلم غيب السموات والأرض، وهو بصير بما يعمل الخلق.

وأن النفس لفاصل مجاهدة الشهوات الذي يحاسب عما يكسب الإنسان من أمره ما سعى، ومفطورة على الدلالة إلى الواحد الذي يقابله الواحد (أ) أول ما تسمى به الإنسان، إذ ليس يوجد سواه، وهو هو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت