فهرس الكتاب
ويذكر ابن جني عن نصر بن علي أنه قال: (حضرت الأصمعي وقد سأله سائل عن معنى قول النبي ( جاء أهل اليمن وهم أنجع نفسًا، قال: لعله أراد أقتل نفسًا، ثم أطرق متندمًا وأقبل على نفسه كاللائم لها فقال: وما أخذني بهذا؟ وما علمني به؟ فقلت له: لا عليك، فقد حدثنا سفيان بن عبية عن أبي نجيح عن.. في قوله عز وجل: فلعلك باخع نفسك، أي قاتل نفسك، فكأنه سري عنه.
فإذا أردنا أن نفسر سر تحرجه من ألفاظ الحديث والقرآن فلعنا نرد السبب إلى عاطفته الدينية الورعة وإلى طبيعته الصادقة التي تخشى الكذب والخطأ وبخاصة فيما يتعلق بالقرآن أو الحديث.
ولقد كان الأصمعي عربيًا، ويظهر احترامه لأقوال قدماء العرب واضحًا، ولقد حدا به أفراطه في حفظ العربية إلى الزراية على المولد والأدب الحديث في زمانه، وكان يقول كما قال أستاذه أبو عمرو بن العلاء عن أدباء زمانه:"ما كان من حسن فقد سبقوا إليه وما كان من قبيح فهو من عندهم". وكان قليل الثقة بما يأتي به المولدون؛ وحكايته مع الديباج الخسرواني تدل دلالة واضحة على احترامه للقدماء؟ وتروي هذه الحكاية"ان إسحق الموصلي نظم بيتين قلد بهما القدماء، فلما أصبح أنشدهما الأصمعي، فقال له معجبًا بما يسمع: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ فقال إسحق الموصلي: إنه ابن ليلته، إنه لي، فقال الأصمعي متضايقًا: أفسدته، أفسدته، أما إن التوليد فيه لبيِّن".
وعلى الرغم من وصف الأصمعي بالثقة روايته فقد لقي من يتهمه بالتزيد في اللغة ورواية ما لم يكن فيها. وعن ابن الأعرابي قوله:"لقيني أبو محلم ومعه أعرابي، فقال: جئت بهذا الأعرابي لتعرفوا منه كذب الأصمعي، أليس هو القائل في بيت عنترة:"
شربت بماء الدحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم
إن الديلم هم الأعداء لأنهم الأعاجم؟ سلوا هذا الأعرابي ما معنى الديلم، فسألناه: ما الديلم؟ فقال: الديلم حياض بالغور أو ردتها إبلي غير مرة.