فهرس الكتاب
وروي عن ابن الأعرابي أيضًا: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.
ولكن أكثر كتاب السير تقدمه لنا لغويًا يوثق به وتقبل روايته كأصح راو للغة.
يقول السيوطي:"الأصمعي كان يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها؛ وذلك لأن الأصمعي كان يضيق ولا يجوز إلا أصح اللغات، ويلح في ذلك ويمحك."
ولقد ابتعد الأصمعي عن الأهواء، وكان كل من الشافعي وابن حنبل وأبي داود وغيرهم من الأئمة يثني على الأصمعي في السنَّة وينعته بالثقة والصدق. وقد روي عن الشافعي قوله:"ما رأيت بذلك المعسكر أصدق من الأصمعي". كما يذكر ابن الأنباري الحادثة التي جرت بين الأصمعي وأبي عبيدة مع الفضل بن ربيع الذي سأل الأصمعي: كم كتابك في الخيل؟ فقال: جلد، فسأل أبا عبيدة السؤال عينه فقال: خمسون جلدًا. وعندما سأل الفضل أبا عبيدة عن مدلولها لم يدر، ولكن عندما سأل الأصمعي عرف بدقة مدلول كل لفظة مشيرًا إلى موضعها في الفرس. وكان ذلك نتيجة مخالطته الأعراب طويلًا وسماعه منهم واتصاله بهم في معيشتهم، على حين أن أكثر علم أبي عبيدة نظري، ويذكر الأنباري حادثة ثانية بعد أن يقول:"كان الأصمعي واسع العلم باللغة وألفاظها وتحديد معانيها واشتقاقها". فقد روي عن الأصمعي أنه حكم بحضرة الرشيد في الفرق بين عقلت القتيل وعقلت عنه، فلم يفهم القاضي الفرق، إلى أن شرحه الأصمعي له، فإذا عقلت القتيل: أدَّيت ديته، وعقلت عنه: إذا لزمته دية فأديتها عنه.
وكان يساعد الأصمعي صبر وجلد وحافظة جيدة. ويروى أن أعرابيًا رآه يكتب كل ما يقول، فقال له: ما تركت شيئًا إلا غصته، ورآه أعرابي آخر يكتب ما يسمع من ألفاظه فقال: ما أنت إلا الحفظة يكتب لفظ اللفظة..
ولقد بُولغ في سرعة حافظته فقيل: إن القصيدة الطويلة تمرُّ على مسمعه مرة واحدة فيحفظها.