فهرس الكتاب
وهنا نستطيع أن نصل إلى نتيجة، فالأصمعي كأكثر دارسي الأدب واللغويين يوقر القديم مما قالته العرب. ورغم تحفظه لبعض العرب في أقوالهم وتحريه الدقيق البعيد من اللغة لم يكن كالبصريين في النحو ولم تكن له وجهة نظر معينة في هذا العلم، ولعله كان في هذا أقرب إلى مذهب الكوفيين الذين يعنون بالسماع ويقدمونه على القياس. ولقد كان من أهم الاختلاف بين مدرسة البصرة والكوفة أن البصرة استعانت بالقياس ووسعت به مسائل النحو، حتى إن علماء النحو أرادوا تمشيًا مع غرضهم أن يهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحتها قالوا: إنها تحفظ ولا يقاس عليها، بل جرؤوا وخطَّؤوا بعض العرب في أقوالهم إذا لم تجر على القواعد، أما الكوفيون فرأوا أن يحترموا كل ما جاء من العرب ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القاعدة العامة، وما من شك أن البصريين قد سبقوا الكوفيين في النحو. وأن الكوفة لم تسهم إسهامًا حقيقيًا في وضع أصول هذا العلم.
وقد أراد الخليل أن يعلم الأصمعي (الفرض) (2) فتعذر ذلك على الأصمعي وبعد عنه ولم يستطيع أن يكون كالعقليين يقيس على ذلك الكلام. لقد كان الخليل والأصمعي على الرغم من كونهما من البصرة متبايني المذهب، فقد كان الخليل ذا عقل رياضي منطقي قيَّاس، وكان في ذلك سيد قومه وكاشف قناع القياس في علمه، وكانت طبيعة الأصمعي لغويًا أغلب من كونه نحويًا، ومما لا شك فيه أن شأن اللغوي أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، أما النحوي فشأنه أن ينقل ما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهم المحدث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته ثم إن الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه ويبسط علله ويقيس عليه الأمثال والأشباه.
الأصمعي والشعر: