وأما الشوق فهو سفر القلب إلى المحبوب. وهو من أسماء الحب. قال في الصحاح: الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء. يقال شاقني الشيء يشوقني فهو شائق وأنا مشوق وشوقني فتشوقت إذا هيج شوقك وجاء لفظ شيق بمعنى مشتاق لا بمعنى شائق.
قال الشريف الرضي:
وما تلوَّم جسمي عن لقائكم
واختلف في الفرق بين الشوق والاشتياق أيهما أقوى فقالوا الشوق أقوى فإنه صفة لازمة والاشتياق فيه نوع افتعال كما يدل عليه بناؤه كالاكتساب ونحوه. وقالت فرقة الاشتياق أقوى لكثرة حروفه. وكل زيادة في المبنى زيادة في المعنى. وقالت جماعة الاشتياق يكون إلى غائب وأما الشوق فإنه يكون للحاضر والغائب. ... إذا دنت الخيام من الخيام
واختلف أرباب الشوق هل يزول الشوق بالوصال أو يزيد؟ فقالت طائفة: يزول فإن الشوق سفر القلب إلى المحبوب فإذا وصل انتهى السفر. قالوا: ولأن الشوق إنما يكون لغائب فلا معنى له مع الحضور. ولهذا إنما يقال للغائب: أنا إليك مشتاق. وأما من لم يزل حاضرًا مع المحب فلا يوصف بالشوق إليه. وقالت طائفة: بل يزيد بالقرب واللقاء واستدلوا بقول الشاعر:
وأعظم ما يكون الشوق يومًا
قالوا: ولأن الشوق هو حرقة المحبة والتهاب نارها في قلب المحب وذلك مما يزيده القرب والمواصلة. والصواب في رأي ابن قيم الجوزية أن الشوق الحادث عند اللقاء والمواصلة غير النوع الذي عند الغيبة عن المحب. قال ابن الرومي: ... إليها وهل بعد العناق تداني
أُعانقها والنفس بعد مشوقة
وألثم فاها كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يُرى الروحان يمتزجان
شعر ابن الرومي يجنح إلى وحدة الحبيبين وقد عبر عنها شاعر آخر مجهول ببيتين تمثل بهما الحلاج: ... نحن روحان حللنا بدنا
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا