ولكن هل يستمر الحب في هذا الاتحاد الذي يقع في ذروة الوصال الناجح لو حصل؟ هيهات! ذلك أن توهج الشعور المتحد المحتدم لا يدوم إلا لمعة بارق ثم ينفصم الحبيبان في الحب الإنساني ويعود القلق والسعي مرة ثانية وسؤال المحب نفسه عن مشاعر المحبوب بعد أن تملكه فينة من الوقت. وقد قال العرب في هذا المعنى:"إذا صحّ الظفر وقعت الغير". ذلك أن المحبوب إنسان له وجود متميز وهو ذو حرية. النزوع إلى تملك هذه الحرية مشكلة كبيرة. لو تم لأصبح الحبيب شيئًا ماديًا وغدا الحب عطفًا أو ازدراء فتغير معناه وخرج عن نطاق المحبة. ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب
إن في الشوق والحب خدعة. كلما اقترب المحب من حبيبه نأى الحبيب على رغم الوصال وابتعد بهذه الحرية. وقد أطلق العرب على هذا النوع من الحب لفظ الخلابة.
وهو الحب الذي وصل إلى الخلب وهو الحجاب بين القلب والحشا. ولكن الخلابة أيضًا معناها الخداع لأن الحب يخدع ألباب أربابه. وفي المثل"إذا لم تغلب فأخلب"، أي إذا أعياك الأمر مغالبة فاطلبه مخادعة. والخَلِبة الخداعة والخلاب الخداع الكذاب. ومنه البرق الخلَّب الذي لا غيث فيه كأنه خادع. والخَلَّب أيضًا السحاب الذي لا مطر فيه. ويعلق ابن قيم على هذا اللفظ فيقول: والحب أحق ما يسمى بهذا الاسم لأنه يعمي ويصم ويخدع لب المحب وقلبه.
خداع الحب هذا هو الذي يولد الوساوس والهم والغم. ولذلك نسب العرب إلى الحب بلابل فقالوا بلابل الحب وبلابل الشوق وهي الهم ووسواس الصدر وليس ذلك بسهل.
إنما هو العذاب اللازب. ولذلك سمُّوا ما يلقاه المحب أيضًا تباريح الشوق وتباريح الحب وتباريح الجوى وهي الشدائد والدواهي.
وقد يشعر المحب بالندم يساور نفسه وبالحزن تحجب سحابته صفاء بصيرته. وهذا هو السدم فهو الحب الذي يتبعه ندم وحزن أو يشعر المحب كأنه في لج من الاضطراب والغفلة فهذه غمرات الحب التي تشبه غمرات الموت أي شدائده.