فهرس الكتاب

الصفحة 3887 من 23694

هذا، وثمة ميزة أخرى استأثر بها الإمام الطبري، في منهجه العلمي، تتصل بأصل المنطق اللغوي، أنّ ما زخرت به موسوعة تفسيره من"البحوث اللغوية القيمة التي تعكس لنا ضلاعته في اللغة، بل إمامته فيها، قد اتخذ هذه البحوث مجرد وسيلة تسعفه في تبيين ما انطوى عليه القرآن الكريم، من حقائق المعاني، واستجلاء أسراره - بما هي مقومات هدايته، وتشريعه، ومقاصده - فكانت تلك البحوث اللغوية التي تزخر بها موسوعته - وقد أحيت كثيرًا من المفردات، والشواهد القديمة - غير مقصودة لذاتها، كيلا ينقلب التفسير مجلى لقضايا اللغة، وقواعد النحو، وبذلك يستمر المعنى القرآني في تضاعيفها، أو ينتفي، على النحو الذي يرى في بعض التفاسير الأخرى، بحيث تجد فيها كل شيء إلا التفسير، ولعل أوضح مثال على هذا، تفسير أبي حيان - ذلك، لأن الإمام الطبري - على ضلاعته في اللغة - إنما كان يعنيه في المقام الأول، توجيه تفسيره توجيهًا علميًا يجلى به حقائق التنزيل، وأسرار الهداية الإلهية، بما يقربها إلى النفوس البشرية، باعتبار أن من أبرز خصائص النص القرآني، إنه يخاطب النفس الإنسانية حيثما وجدت، على ما بيّنا في المقال السابق. هذا وجه."

ووجه آخر، إنك ترى الإمام الطبري - وقد وقف موقفًا جازمًا، جادًا، موضوعيًا، تجاه الآراء المأثورة التي تتعلق بتحديد مدلولات المفردات، أو معاني التراكيب، بما يستشهد أربابها بشواهد من الشعر القديم - يعقد بحوثًا لغوية، بقصد ترجيح الرأي الذي يعتمد أبلغها وأفصحها، مما يؤكد ما قررنا آنفًا، أن بحوثه اللغوية إنما عقدت لا لذاتها، بل لاتخاذها وسيلة أو دليلًا، لترجيح أصح الآراء وأقواها بعد مقارنتها، بما يعتمد على أفصح ما تنتجه تلك البحوث، طلبًا للوصول إلى الحق القرآني، وقد عقدنا فصلًا خاصًا في هذا المقال، يبين منهج الإمام الطبري إبان استدلاله بالمنطق اللغوي في تفسيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت