هذا، وبيَّنا في المقال السابق أيضًا، أن الخطاب الإلهي الذي اشتمل عليه النص القرآني، صراحة، أو دلالة، يستغرق كافة وجوه النشاط الإنساني توجيهًا وهيمنة، بما يستقيم بهما أمر الحياة الإنسانية في جانبها العملي في كل عصر، وهي متغيرة الظروف، نتيجة حتمية لسنن اجتماعية وكونية ثابتة، مما يؤذن بضرورة دراسة هذه السنن، إذ لا يتم تفسير القرآن الكريم في هذا الجانب إلا بإدراكها علميًا، مما يستلزم أيضًا، اختلاف مدى العلم بمضمون النص القرآني، تبعًا لاختلاف ثقافة المفسر، وسعة مداركه التي يحددها مبلغ ما وصل إليه التقدم العلمي في عصره، ويتفاوت المفسرون في ذلك تفاوتًا بعيدًا على مدى العصور.
وبينا كذلك، أن القرآن العظيم قد انصرفت عنايته - من خلال عقائده، وعباداته، وتعاليمه، وآدابه، وتشريعاته - إلى"تحقيق التوازن"بين مطالب الإنسان المادية، ومطامحه الروحية، ذلك، لأنه يرى أن"المشكلة الحقيقية في الحياة الإنسانية"متركزة في اختلال هذا التوازن، أو فقدانه، تغليبًا للمادة، أو إسرافًا في أمر المطامح الروحية بما يحمل على ازدراء الحياة الدنيا، أو اعتزالها، وهو على النقيض مما تقتضيه القطرة ظاهرًا وباطنًا، وبتحقيق"التوازن"يتم صلاح الإنسان، وهو بدء منطقي، إذ لا يتم إصلاح شؤون الدنيا، وتعمير الكون، إلا بصلاح الإنسان المتوازن المهيمن عليه، والمستخلف فيه استخلافًا واقعيًا بيِّنا، ولذا كان المفسر أقرب إلى تبين الحق القرآني، كلما ازداد خبرة بشؤون دقائق النفس الإنسانية ونوازعها، لما تقوم تعاليم القرآن الكريم على أساس خبرة الذي فطرها، لقوله تعالى: (ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير (( 18) ولقوله عز وجل: (ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (( 19) ولقوله عز شأنه: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون (( 20) .