فهرس الكتاب

الصفحة 3890 من 23694

أما مآخذنا على الإمام الطبري التي أوردناها في المقال السابق، مما يتعلق ببعض ما تناولناه بالبحث من معالم منهجه، فذلك ما اعتمده من مبدأ عدم جواز الخروج عن"أقوال السلف"من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة من بعدهم بإطلاق، وبينا أن في المسألة تفصيلًا عند جمهور الأئمة، فأما أن تكون هذه الأقوال متحدة في مسألة معينة، أو في تفسير لآية كريمة، فذلك هو"الإجماع"وهو حجة بلا ريب، لكونه قرينة على الحق، والصواب، وبعيد جدًا أن يكون هذا الإجماع قائمًا على أساس من الخطأ أو الوهم، أو الكذب، وأما أن يثبت أن أقوالهم كانت"سماعًا"عن النبي - (- فتكون حجيتها ليست مستمدة من ذاتها، بل من مصدرها، وهو السنة، وأما أن يقوم الدليل على أنها مجرد آراء للسلف قد ارتأوها، لاختلافهم فيها اختلافًا بعيد المدى - كما يقول الإمام الغزالي(21) - مما يدل على أنها لم تكن تلقيًا من الرسول -(- فهذه الأخيرة لا تزايلها الاحتمالات التي لا تقوى على أن توليها الحجة القاطعة الملزمة، فلا يوصد بالتالي باب الاجتهاد بالرأي دونها - لأمور:

أولًا-إن الصحابة-رضوان الله عليهم- خاضعون بالضرورة للناموس العام الذي يخضع له كل مجتهد، من أنه يخطئ ويصيب، دون استثناء، لقصور الطاقة البشرية عن إصابة ما هو الحق عند الله تعالى، في كل رأي مجتهد فيه، بإطلاق، لأنه غيب، وهو ما قررته السنة: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا أخطأ، فله أجر] (22) وهذا خطأ قصوري، لا تقصيري، ولذا كان مأجورًا لا مأزورًا.

ثانيًا-إن عدم الخروج عن أقوال السلف، دليل عدمي، إذ لا يلزم أن يكون الخروج عن آرائهم الاجتهادية مظنة للخطأ، أو مجافاة للحق والعدل، إذ العبرة في ذلك بقوة الاستدلال.

ثالثًا-لو قلنا بحجية آرائهم الاجتهادية بإطلاق، ووجوب التزامها، لكانوا رسلًا وأنبياء، لا ينطقون إلا عن عصمة، ولا عصمة إلا لله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت