رابعًا-إن القول بحجية آرائهم الاجتهادية ولزومها بإطلاق - على ما ذهب إليه الإمام الطبري - يستلزم أن تكون دلالات القرآن الكريم على معانيه محدودة، وهي تلك التي عرفها الصحابة أو السلف، وتبينوها فحسب، والواقع غير ذلك، لأن دلالات القرآن الكريم عميقة، ومداركه جمة لا تحد ولا تنقضي، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي:"فأما الاستيفاء (الإحاطة بكافة معانيه وأسراره علمًا، فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مدادًا والشجر أقلامًا، فأسرار كلمات الله لا نهاية لها، فتنفدُ الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله"(23) ، فكيف تكون مقصورة على عصر معين؟
خامسًا-على أن ما ثبت من أقوال الصحابة أنه"سماع"عن النبي - (- فيما يتعلق بالتفسير، وفيما للرأي فيه مجال، فذلك أمر لا بد منه أولًا في ظاهر التفسير، فقط، ليتقي به مواضع الغلط، غير أن ما وراء ذلك، يتسع للفهم والاستنباط(24) المتجدد، إذ لا مطمع للوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر (25) "ولأن ظاهر التفسير لا يغني، وليس هو منتهى الإدراك فيه" (26) .
هذا وثمة فرق بين دقائق المعاني، وظاهر التفسير (27) ، فإذا اشترك العلماء في ظاهر التفسير، لتبادره ووضوحه، لغة، فإنهم متفاوتون في إدراك ما وراء ذلك بالضرورة.
سادسًا-على أن الأمر المتكرر بتدبر القرآن الكريم، والتفقه فيه، والتفكر في دقائق معانيه، وأسرار بيِّناته، ليس مقيدًا بزمن، ولا مكان، ولا أناسي معينين، بل هو مطلق، ومن المعلوم، أن المطلق يُجرى على إطلاقه.