ترى ذلك واضحًا حين يؤيد رأيه بإجماع السلف، وفيما يتعلق بتأويل قوله تعالى: (وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت (( 30) من أن النص القرآني على ظاهره، معتبرًا رأي مجاهد الذي أخرج معناه عن هذا الظاهر، فرأى أن"المسخ"في نفوسهم وأحاسيسهم، ولم يمسخهم في أجسادهم حقيقة، بل وكان ذلك مثلًا ضربه الله لهم، كما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارًا، فترى الإمام الطبري، لا يجيز هذا التأويل المخالف للظاهر، ويصف رأي مجاهد -وهو المشهود له بالإمامة في التفسير، بل هو من أشهر تلاميذ ابن عباس المقربين إليه- أقول يصف رأيه هذا بأنه فاسد، ويحتج الإمام على ذلك بالإجماع، حيث يقول:"هذا مع خلاف"مجاهد"لقوله، جميع الحجة-أي أولي العلم بالأدلة- التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب، فيما نقلته، مجمعة عليه، وكفى دليلًا على فساد قول مجاهد، إجماعها على تخطئته".
على أن الزمخشري تبع الإمام،"مجاهد"في تأويل الآية الكريمة بإخراجها عن ظاهرها، فجعل المقصود منها، أنهم جمعوا بين المذلة والصغار والطرد من رحمة الله (31) .
رابعًا-يعتمد الإمام الطبري-إذا أعوز المأثور-ما يعتبر دلالة منصوبة على حجية تفسيره، من أعمال المنطق اللغوي في أفصح مجاليه من الشواهد، أصلًا عامًا من أصول منهجه، بما هو مشتق من طبيعة النص القرآني، وخصائصه، وتصرفه في وجوه البيان.