فهرس الكتاب

الصفحة 3895 من 23694

لما تقتضيه خصائص البلاغة والبيان في نظم هذا القرآن العظيم، باعتبار أن هذا النظم بخصائصه هو الذي تصرف في المعنى، ودبر الأمر في مضمونه، كما أسلفنا.

هذا، وقد أفصح الإمام الطبري عن منهجه اللغوي هذا بصريح قوله:"إن كتاب الله-جل ثناؤه- نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف" (32) .

وفي هذا دليل بيِّن، على ما استأثر به من اتجاه ربط اللغة بالبلاغة والإعجاز البياني.

ويؤكد هذا المعنى في مقام آخر، حيث يقول:"وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة (33) على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه-إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى ما خاطبهم به" (34) .

هذا، ويمتاز تفسير الإمام الطبري، بكثرة بحوثه اللغوية، غير أن ما يميزه عن غيره، أنه لا يتناول هذه البحوث على أنها مقصودة لذاتها-كما أشرنا في المقدمة-بل على أنها وسيلة لترجيح معنى على آخر، بتوجيه لغوي قوي، أو للتوفيق بين المقتضى اللغوي، والمأثور السلفي، بما يزيل ما يتوهم بينهما من تعارض (35) ، بخلاف أبي حيان في تفسيره على سبيل المثال، حيث اتخذ من التفسير مجالًا لمعالجة قضايا النحو، وإخضاع المعاني القرآنية لتلك القضايا، حتى بدت مقصودة لذاتها، مما يفسد المعنى القرآني، أو يخل ببلاغته، وهذا ما أشار إليه الإمام محمد عبده في مقدمة تفسيره"المنار"حيث يقول:"أن تحكيم مذاهبهم النحوية في القرآن، ومحاولة تطبيقه عليها-وإن أخل ذلك ببلاغته-جرأة كبيرة على الله تعالى، وإذا كان النحو وجد لمثل ذلك، فليته لم يوجد" (36) .

الإمام الطبري يتأثر ابن عباس - حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن - من حيث إرساؤه لدعائم المنهج اللغوي في التفسير، توسعة وتنمية، فضلًا عن تأثره به في منهجه الأثري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت