المنطق اللغوي-وإن كان أصلًا عامًا في وجوب الاحتكام إليه في التفسير حين يعوز النقل من الكتاب، أو الأثر من السنة- والإمام الطبري، قد زاده تنمية وتوسعة، متأثرًا نهج ابن عباس-كما أسلفنا-لا يأخذ الإمام بظاهر هذا المنطق بإطلاق، بل في حالة ما إذا لم يكن ثمة من معاقد أخرى في القرآن والسنة، ومن الإجماع، مما تقوم به الحجة، وترتبط بذلك المنطق، توجه معناه تكييفًا بمقتضاها، بما يحد من شموله، أو يقيد من إطلاقه، أو بما يصرفه عن المعنى الأصلي حقيقة ووضعًا، إلى المعنى المجازي استعمالًا، اعتمادًا على ما ينهض بينهما من علاقة، وقرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي.
وهذا هو"التأويل"الذي سنتناوله بالبحث مفصلًا، بعد استجلاء موقف الإمام الطبري من"مبدأ إعمال الرأي"في تفسيره، بما يلي.
خامسًا-موقف الإمام الطبري من مبدأ الاجتهاد بالرأي في التفسير:
قبل أن نتناول هذا الموضوع بالبحث والتفصيل، نود أن نبين"حقيقة الرأي"في استعمال القرآن الكريم، ليتبدَّى لنا مدى حجيته في التفسير، ولنتخذ مما استقرَّ عليه من معنى أصلي"حكمًَا"بين الآراء المتصارعة، من حيث اعتباره معيارًا جوهريًا في المنهج العلمي لبيان حقائق التنزيل.
معاني الرأي في القرآن الكريم، سنقرأه من مواقع استعماله فيه.
يتبين للباحث المستقرئ لمعاني كلمة"رأى"ومشتقاتها في القرآن الكريم، أن صيغة مصدرها (40) تختلف باختلاف مواقع معناها، غالبًا، جريًا على سنن اللغة في البيان.
فمن مواقع معنى"رأى"في القرآن الكريم-فعلًا بصيغة الماضي والمضارع- الإبصار بالحاسة، أو ما يجري مجراها (41) ، كقوله سبحانه، (فلما رأى القمر بازغًا (( 42) وقوله عز وجل: (فأما تَرَيِنَّ من البشر أحدًا (( 43) وقوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب (( 44) وهذا بيِّن أنه للمرئي بالحاسة.
وأما ما يجري مجراها، ففي مثل قوله تعالى: (فسيرى الله عملكم (( 45) فالحاسة لا تصح بالنسبة إليه تعالى (46) .