هذا، ومصدر،"رأى"البصرية هو"الرؤية"بالعين، ولكن هذا -فيما يبدو-غالب غير مطرد، كما في قوله سبحانه: (يرونهم مِثلَيهم رأيَ العين (( 47) والقياس رؤية العين لا رأيها -كما هو معلوم- إذ"الرأي"مصدر"رأى"العلمية، لا البصرية، ولهذا ترى الأولى تنصب مفعولين، لأنها بمعنى"علم"مفهومًا وعملًا، تمييزًا لها عن"رأى البصرية التي تنصب مفعولًا واحدًا، كما في قوله تعالى، لتحكم بين الناس بما آراك الله" (48) أي بما أعلمك، لأن البصرية هنا لا تتجه، إذ العلم"إدراك للمعلوم بالعقل، والإبصار إدراك للمرئي بالعين".
غير أن القاموس المحيط (49) قد ورد فيه ما يفيد أن"الرؤية"تعني النظر بالعين والقلب، ورؤية القلب علم، فتقول رأيته رؤية ورأيا، وإذا كانت"الرؤية"أعم، فالرأي أخص غالبًا، إذ"الرأي"يستعمل في المعاني لا في المحسوسات.
أما ما ورد من"الرأي"مضافًا إلى"العين"في الآية الكريمة التي تلونا، فذلك لأن مشاهدة العين مثليهم، قد أورثت ظنًا بمقتضى ذلك، فعبر القرآن الكريم بالرأي الذي يفيد غلبة الظن، تعبيرًا لافتًا إلى دقة المعنى، وهو ما يشير إليه الإمام الراغب في مفرداته بقوله:"والرأي اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، أي يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم" (50) .
هذا، وترى القرآن الكريم يضيف"رأى""العلمية"إلى"الفؤاد"-بمعنى القلب-أو يضيفها إلى"أولي العلم"ليفيد اليقين والعلم الثابت الذي لا يحتمل المراء، في مثل قوله تعالى: (ما كَذَبَ الفؤادُ ما رأى، أفتمارونه على ما يرى"(51) وقوله سبحانه (ويرى الذين أوتوا العلم (( 52) ."